ومعرفتها أمر ضروري للمجتهد عند استنباط الأحكام، وفهم النصوص. قال الإمام الشاطبي. (إنما تحصل درجة الاجتهاد لمن اتصف بوصفين، أحدهما فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكن من الاستنباط بناء على فهمه فيها) [1] وعلق الاستاذ عبدالله دراز على هذا الشرط في الهامش بأنه: (لم نر من الأصوليين من ذكر هذا الشرط الذي جعله الأول بل جعله السبب) أي كالخادم الأول لأن الأول هو المقصود والثاني وسيلة.
فإذا أراد المجتهد معرفة حكم واقعة من الوقائع احتاج إلى فهم النصوص لتطبيقها على الوقائع، وإذا أراد التوفيق بين الأدلة المتعارضة، استعان بمقاصد التشريع، وإن دعته الحاجة إلى بيان حكم الله في مسألة مستجدة عن طريق القياس والاستصلاح أو الإستحسان ونحوها، تحرى بكل دقة أهداف الشريعة، فالعلم (بمقاصد الشريعة في غاية الأهمية حتى لا يغلط فيها الغالطون ويجروا وراء الأحكام الجزئية مهملين المقاصد الكلية فيخلطون ويخبطون) [2] .
وأقول: ليس هناك ما يمنع من إضافة بعض الشروط ظاهرا، إذا فهم غياب ذلك الشرط أو ضعفه في أهل ذلك الزمان، وكان موجودا ولو بالقوة فيمن سلف من مجتهدي الأمة، قياسا على اشتراط العلم بالعربية واللسان فيمن ضعفت فيهم هذه الملكة مع مرور الزمن، وكذا اشتراط أصول الفقه كما سبق ذكره. فإضافة العلم بمقاصد الشرع واستحضارها أثناء عملية الاجتهاد، يناسب استقواء المذهب الظاهري بأمثال ابن حزم الذي ضخ دماء جديدة في هذا التيار، ويناسب إغراق المتأخرين في التفريع والجزئيات وخفوت الاشتغال بالكليات، وكذا استفحال آفة الحيل الفقهية والتلاعب بألفاظه.
د-معرفة الناس والحياة:
وهذا الشرط يشبه الذي قبله، فلم يذكره ابن رشد كغيره في الأغلب الأعم، وإنما يفهم من بعض تلميحاته وإشاراته، مثل رفضه للآراء التي لا تستحضر المعطيات الواقعية وتبقى مفروضة في القول لا تقع بعد أو لاتكاد، مثل الحديث في حرمة لبن الرجل ولبن الميتة [3] وغيرها.
وهذا الشرط مطلوب أيضا، ليكون الاجتهاد صحيحا واقعا في محله، فلا يكفي في الاجتهاد الوصول الى معرفة الحكم الشرعي انطلاقا من التعامل مع النصوص وبالضوابط الأصولية السابقة. لأن (لعملية الفهم علاقة بكسب العقل البشري من العلوم والمعارف التي يكتسبها من خارج دائرة النص، وعلاقة بذات الواقع الزمني في أحداثه وتفاعلاته) [4] فالمجتهد لا يجتهد في فراغ، بل في وقائع تنزل بالأفراد والمجتمعات من حوله، وهؤلاء تؤثر في أفكارهم وسلوكهم تيارات وعوامل
(1) الشاطبي. الموافقات م ج4ص/76.
(2) يوسف القرضاوي"الاجنهاد في الشريعة الاسلامية"ص/44.
(3) بداية المجتهد: ج: 2 ص: 30
(4) عبد المجيد النجار"في فقه التدين فهما وتنزيلا"ص81. كتاب الأمةعدد: 22محرم /1410هـ