-أما الملكة في اللغة: فأصلها من ملك الشيء يملك ملكا: حازه وانفرد بالتصرف فيه، يقال ملك العجين: يملكه ملكا وأملكه: عجنه فأنعم عجنه وأجاد [1] ، واِلملْك: احتواء الشيء والقدرة على التصرف فيه والاستبداد به، ويملك نفسه: أي يقدر على حبسها عما لا ينبغي، وكل من يملك فهو مالك، ومالك الدار: صاحبها وربها، ومالك الناس: ربهم والمتصرف بالأمر والنهي فيهم. ومالك يوم الدين: الله - سبحانه وتعالى - يملك إقامة يوم الحساب، وهو الملك يوم الدين.
فالجانب اللغوي يفيد التملك والإجادة والإحتواء على الشيء والقدرة على التصرف فيه.
-وأما في اصطلاح العلماء: فالمعنى غير بعيد عن الأصول اللغوية، يقول الجرجاني: (الملكة صفة راسخة في النفس) [2] فقوة التملك للعلم والصنعة ورسوخها في أعماق القلب والنفس والعقل، جعلها وكأنها صفة لازمة، وقريب من هذا التعريف، يقول صاحب كشف الظنون: (والملكة كيفية راسخة في النفس لا تزول بسرعة) [3]
-فالملكة شيء زائد على مجرد جمع العلوم والمعارف، وإن كان جمعها وتحصيلها من لوازمها وشروطها وأسبابها، فحصول الملكة كما يقول صاحب أبجد العلوم: (متوقف على جمع تلك العلوم ولا يلزم من جمعها حصولها لأنها كالآلة مثل آلة النجار فإنه قد يعرف كيفية النجارة ويتصورها ويجمع آلاتها ولا يمكنه أن يحكم الصناعة كلية) [4] .
-والملكة أكثر من مجرد فهم العلم، يقول مصطفى بن عبد الله القسطنطيني: (واعلم أن الحذاقة والتفنن في العلم والاستيلاء عليه إنما هو بحصوله الملكة في الإحاطة بمبادئه وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله وهذه الملكة هي غير الفهم) [5]
-فالملكة مستوى متقدم في مراتب العلم، والعلم يطلق على مجموع: المسائل والمبادئ التصورية والمبادئ التصديقية والموضوعات، فهو يطلق (كما يقال: فلان يعلم النحو، وتارة على التصديقات بتلك المسائل، وتارة على الملكة الحاصلة من تكرار تلك التصديقات، أي: ملكة استحضارها وقد يطلق الملكة على التهيؤ التام وهو أن يكون عنده ما يكفيه لاستعلام ما يراد) [6] فلا يحصل العالم على الملكة بمجرد استحضار ما تعلمه وتكرار ما قيل قبله، كما الشاعر لا يسمى كذلك ولا الأديب، بمجرد حفظ الأشعار والنصوص مهما بلغت في الكثرة ما لم ينتقل إلى
(1) لسان العرب: ج: 10 ص: 495
(2) علي بن محمد بن علي الجرجاني (ت 816هـ) "التعريفات"ج: 1 ص: 296 - تحقيق: إبراهيم الأبياري-ط: الأولى -1405 - دار الكتاب العربي- بيروت
(3) كشف الظنون ج: 1 ص: 35
(4) صديق حسن القنوجي (ت 1307 هـ) "أبجد العلوم"ج: 1 ص: 151
(5) كشف الظنون ج: 1 ص: 41
(6) كشف الظنون ج: 1 ص: 6