مرحلة الإنتاج والتصرف المبدع في مجاله، ومواجهة الحالات الطارئة والجديدة بما يناسبها. ولا يعتبر ذا شأن في مجاله حتى يحصل: (ملكة نفسانية يقتدر بها صاحبها على النظر في الأحوال العارضة لموضوع ما من جهة ما بحيث يؤدي الى الغرض) [1] .
فكما هو مشاهد ومعلوم، فالعلماء ليسوا على مرتبة واحدة في نفس العلم، وإن عدوا من رجاله، فمنهم: (من له في العلم ملكة تامة ودربة كافية وتجارب وثيقة وحدس صائب وفهم ثاقب، فتصانيفهم عن قوة تبصرة ونفاذ فكر وسداد رأي) [2] ومنهم دون ذلك.
-والملكة عقل مزيد وثمرة للتعمق في العلم، يقول صاحب كشف الظنون: (فثبت أن كل نوع من العلوم والنظر يفيدها عقلا مزيدا وكذا الملكات الصناعية تفيد عقلا والكتابة من بين الصنائع أكثر افادة لذلك( ... ) فهو ينتقل من دليل الى دليل وتتعود النفس ذلك دائما فتحصل لها ملكة الانتقال من الأدلة إلى المدلول وهو معنى النظر العقلي الذي يكسب به العلوم المجهولة فيحصل بذلك زيادة عقل ومزيد فطنة وهذا هو ثمرة التعلم في الدنيا) [3] وهي (تعين الشخص على سرعة البديهة في فهم الموضوع وإعطاء الحكم الخاص به، والتمييز بين المتشابهات بإبداء الفروق والموانع، والجمع بينها بالعلل والأشباه والنظائر وغير ذلك. ) [4] .
-كيف السبيل إلى الملكة؟
قال الجرجاني مباشرة عقب تعريفه السابق للملكة: (وتحقيقه: أنه تحصل للنفس هيئة، بسبب فعل من الأفعال. ويقال: لتلك الهيئة: كيفية نفسانية وتسمى: حالة، ما دامت سريعة الزوال. فإذا تكررت ومارستها النفس حتى رسخت تلك الكيفية فيها، وصارت بطيئة الزوال، فتصير ملكة. وبالقياس إلى ذلك الفعل عادة وخلقا) [5]
وقد أفاد طريقة تكونها وتمكنها في النفس بحيث لا تحدث فجأة، وإنما تحصل بالتدرج والممارسة والتكرار حتى تصبح راسخة وكأنها جزء من النفس بحيث تكون لها عادة وخلقا لا تتكلفها كما الأمر عند البدايات.
فلا يصبح الأمر ملكة حتى يصدر عن صاحبه في يسر وسهولة، وأما مع الصعوبة والعسر ففيه مؤشر على التكون وعدم الاكتمال، فالخلق مثلا لا يعتبر طبيعة للنفس حتى يصير (ملكة يصدر بها عن النفس أفعال بسهولة من غير فكر وروية) [6]
-فالملكة قد يجتمع فيها ما هو طبيعي جبلي والآخر عادي يكتسب، فالأول يكون بها الشخص في (أصل الفطرة مستعد لكيفية خاصة كامنة بحيث يتكيف بها بأدنى سبب( ... ) وأما العادية فهي أن يزاول في الابتداء فعلا باختياره، وبتكرره والتمرن عليه، تصير ملكة حتى يصدر عنه الفعل بسهولة من غير روية) [7]
-السعي لتحصيل الملكة موقوف على الأخذ والتعلم والتمرن والتدرب والممارسة والمخالطة الشديدة للعلم، سئل ابن القيم رحمه الله، هل يمكن معرفة الحديث الموضوع بضابط من غير أن ينظر في سنده؟ فقال: (هذا سؤال عظيم القدر، وإنما يعرف ذلك: من تضلع في معرفة السنن الصحيحة، واختلطت بدمه ولحمه، وصار له فيها ملكة واختصاص شديد، بمعرفة السنن والآثار، ومعرفة سيرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وهديه: فيما يأمر به وينهى عنه، ويخبر عنه ويدعو إليه، ويحبه ويكرهه، ويشرعه للأمة. بحيث كأنه مخالط للرسول - صلى الله عليه وسلم - كواحد من أصحابه الكرام، فمثل هذا يعرف من أحوال الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهديه وكلامه وأقواله وأفعاله، وما يجوز أن يخبر عنه وما لا يجوز، ما لا يعرف غيره وهذا شأن كل متبع مع متبوعه فإن للأخص به الحريص على تتبع أقواله وأفعاله من العلم بها والتمييز بين ما يصح أن ينسب إليه وما لا يصح، ما ليس لمن لا يكون كذلك وهذا شأن المقلدين مع أئمتهم يعرفون من أقوالهم ونصوصهم ومذاهبهم وأساليبهم ومشاربهم ما لا يعرفه غيرهم) [8]
ومن المخالطة الشديدة للعلم والتعمق فيه، اعتماد المصنفات الأصيلة التي تعتمد التوسع في الفن المطلوب وتقصد استيعابه وذلك (لكثرة ما فيها من التكرار والاطالة المفيدين لحصول الملكة التامة) [9]
-الملكة تحصل بكثرة الشيوخ والمباشرة والتلقين والرحلة في طلب العلم، جاء في كشف الظنون: (إن الرحلة في الطلب مفيدة وسبب ذلك أن البشر يأخذون معارفهم وأخلاقهم وما ينتحلونه من المذاهب: تارة علما وتعليما وإلقاء، وتارة محاكاة وتلقينا بالمباشرة. إلا أن حصول الملكات على المباشرة والتلقين أشد استحكاما وأقوى رسوخا فعلى قدر كثرة الشيوخ يكون حصول الملكة ورسوخها) [10] .
-ومجرد الحفظ وتكرار العلم من غير عمق في الفهم لا يعطي ملكة فيه لا بد من المناقشة والمطارحة وتبادل الرأي فيما يتم تحصيله مع أهل الفن، لأن (مطارحة ساعة خير من تكرار شهر) [11] . يقول صاحب كشف الظنون: (من كان عنايته بالحفظ أكثر من عنايته الى تحصيل الملكة لا يحصل على طائل من ملكة التصرف في العلم ولذلك ترى من حصل الحفظ لا يحسن شيئا من الفن وتجد ملكته قاصرة في علمه إن فاوض أو ناظر ومن ظن أنه المقصود من الملكة العلمية فقد أخطا وانما المقصود هو ملكة الاستخراج والاستنباط وسرعة الانتقال
(1) كشف الظنون ج: 1 ص: 42
(2) كشف الظنون ج: 1 ص: 38
(3) كشف الظنون ج: 1 ص: 52
(4) محمد عثمان شبير"تكوين الملكة الفقهية"-كتاب الأمة- العدد (72) رجب 1420 هـ، السنة التاسعة عشرة
(5) "التعريفات"ج: 1 ص: 296
(6) كشف الظنون ج: 1 ص: 35
(7) كشف الظنون ج: 1 ص: 35 - 36
(8) محمد بن أبي بكر أيوب الزرعي أبو عبد الله (ت 751هـ) "نقد المنقول والمحك المميز بين المردود والمقبول"ج: 1 ص: 32 تحقيق: حسن السماعي سويدان- دار القادري- بيروت- 1411 - 1990 - الطبعة: الأولى
(9) كشف الظنون ج: 1 ص: 44
(10) كشف الظنون ج: 1 ص: 42 - 43
(11) أبجد العلوم ج: 1 ص: 243