فظهور مثل هذا (الاجتهاد) يكون منبئا ومؤشرا لاجتهاد لاحق حقيقي، فالاهتمام بالدرس الأصولي وإعادة التمرس على ما هو موجود من الحلول والأحكام والاجتهادات يمكن اعتباره من بين أحسن الطرق في تربية ملكة الاجتهاد.
ولهذا نتصور إمكانية الحديث عن تربية ملكة الاجتهاد في مدارسنا ومؤسساتنا من وقت مبكر، وقدرة المناهج الدراسية -إذا أحسن اختيارها على أساس هذا الهدف-على جذب وإثارة وفتح القنوات لتطوير النزعة الاجتهادية لدى التلاميذ والطلاب، بوضع أسس التفكير المستقل والمبدع لديهم ومساعدتهم على تطوير قدراتهم الاجتهادية، وتكوين روح البحث لديهم مثل: تقديم العلوم الشرعية المناسبة لذلك كمادة أصول الفقه عن طريق حل المشكلات وعبر إنجاز مشاريع وحقائب البحث .. عوض الطرق التلقينية المباشرة التي تعتمد إعطاء المعلومات الجاهزة إلا ما كان ضروريا من ذلك. والاجتهاد في تجاوز حالة الشكوى [1] من مناهجنا التربوية والتعليمية البعيدة في أغلبها الأعم عن تنمية ملكة الاجتهاد.
فجعل الطالب يقوم برؤية المشكلة من وجهات نظر مختلفة، فيفسرها ويبحث باستقلالية عن حل لها، ويعد الافتراض الممكن ويختبره، ويعمل كما لو أنه يكتشف بنفسه تلك المعارف التي كانت مكتشفة من قبل في كتب الفقه والأصول ومباحث القياس وغيرها من باقي العلوم التي تعتبر شرطا في الاجتهاد.
وجعل الاهتمام ينصب في المراحل المتوسطة -مثل التعليم الثانوي والسنوات الجامعية الأولى - على تكوين الاتجاه نحو البحث واعتياده، ثم الاعتماد بعد ذلك على تكوين الاستعدادات للقيام ببحوث فعلية، ذلك أنه و (لفترة طويلة كان يعتقد أن المرحلة الثانوية أو بالأحرى الجامعية أيضا يمكن أن يتم فيها نقل المعارف، بينما يتم تحقيق التحضير العلمي وبداية الإبداع الأصيل في التعليم ما بعد الجامعي( ... ) أما اليوم فيتحقق على أن الاستعداد للبحث يمكن أن يتشكل في سياق التعليم الجامعي بل إنه يمكن التوصل في هذه المرحلة إلى بحوث أصيلة ولكن ينبغي أن تتشكل مثل هذه الاستعدادات حتى في المرحلة الثانوية ( ... ) وبقدر ما يقوم التعليم
(1) يقول عمر عبيدة حسنة في مقدمة كتاب الأمة (الملكة الفقهية) ع: 72 رجب 1420 وهو يشكو من نتائج تعليمنا الجامعي من حيث طبيعة البحوث الشرعية المقدمة مما يفيد ان الشكوى مما هو قبل هذه المرحلة أشد: (فالناظر إلى الكثير من رسائل وبحوث الماجستير والدكتوراة في الجامعات الشرعية الإسلامية بشكل عام، يجد أطنانًا من الورق، يعظم كمها ويتضاءل كيفها، لم تحرك ساكنًا، ولم تحقق رؤية تغير من واقع الأمة، وإن كانت ترتقي بالمواقع المادية وأحيانًا الاجتماعية لأصحابها، الذين أصبحوا حملة الألقاب العلمية! هذا إن لم تكن في بعض الأحيان وسيلة توبيخ مستمرة لحملتها .. ويكفي استعراض الكثير من العناوين والمضامين لهذه الرسائل التي قد تبلغ عشرات الألوف للدلالة على عقل الأمة وحالها .. فإذا كنا لا نستطيع تجاوز المثال بعد، ولا نمتلك إمكانية التقويم الثقافي والفقهي، فكيف تبني مؤسساتنا ومناهجنا ملكات فقهية ?! )