ما قبل التعليم الجامعي والجامعي على طابع استكشافي يحث على البحث والعمل ينتظر أن تظهر نتائج إبداعية في سن مبكرة وعلى مسارات طويلة) [1] .
ولهذا لا يمكن أن نتحدث عن تربية ملكة الاجتهاد الا بالمعنى الخاص، الذي سيكون بلا شك، لبنة لتكوين المجتهد، وأيضا لا ينبغي حصر هذا المعنى في المجتهد المطلق الذي قلما يجود به الزمان والذي يرى البعض استحالة تكوينه الآن [2] أمام تشعب العلوم واعتبار"المجامع العلمية"بديلا له.
ذلك أن المجتهدين بالمعنى المطلق ابتداء من عصر الأئمة معدودون على رؤوس الأصابع في تاريخ الأمة كلها. فهذا أبو حنيفة - مثلا - في عصرالاجتهاد يوم كانت الهمم عالية، لازمه ستة وثلاثون طالبا قال فيهم: (هؤلاء ستة وثلاثون رجلا منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء ومنهم ستة يصلحون للفتوى ومنهم اثنان يصلحان يؤدبان القضاة وأصحاب الفتوى وأشار إلى أبي يوسف وزفر) [3] ، وتظافرت جهود تسعمائة شيخ ليخرجوا لنا مثل مالك رحمه الله [4] .
فالذي نميل اليه ونحن نتحدث عن تربية ملكة الاجتهاد، استحضار المعنى الواسع للإجتهاد الذي قال فيه الشاطبي بأنه لا يمكن أن ينقطع حتى ينقطع أصل التكليف والذي (لا بد منه بالنسبة إلى كل ناظر وحاكم ومفت بل بالنسبة إلى كل مكلف في نفسه) [5] .
فتدخل جميع أنواع الاجتهاد: فهما وتطبيقا وصياغة وتلفيقا أوتحقيقا وترجيحا واستثناء واستحداثا في حركية متصاعدة مترابطة .. فيكون هدف العملية التربوية في الجانب الشرعي تكوين قاعدة لما أطلقنا عليه (الهرم الاجتهادي) الذي أساسه جمهور من المتعلمين يحسن الفهم والسؤال والتطبيق والامتثال وحسن الاختيار بحيث يكون له (علم خاص بقدر ما يمكنه من تمييز ما هو معروض في سوق العلم) [6] يساهم في إفراز قيادته الفكرية والاجتهادية في مستوياتها المختلفة ويكون
(1) الكسندرو روشكا"الابداع العام والخاص"ص/189وما بعدها، سلسلة عالم المعرفة ع: 144 دجنبر سنة 1989.
(2) طه جابر العلواني، نظرات في تطور أصول الفقه ص/144، مجلة أضواء الشريعة ع: 13سنة1402. وفي نفس السياق يقول عمر عبيدة حسنة في مقدمة كتاب الأمة (الملكة الفقهية) ع: 72 رجب 1420: إن (التشعب المعرفي حتى في المجال والموضوع الواحد، وشيوع الاختصاص الذي أصبح سمة العصر، لم يعد يسمح، ولا يمكن معه لأي إنسان بالغًا من الذكاء ما بلغ، بالغًا من العمر ما بلغ، أن يدعي الإحاطة بكل شيء، والإجابة عن كل شيء، والاجتهاد في كل شيء .. والذي يدعي معرفة كل شيء والإجابة عن كل شيء نخشى أن نقول:(لا يعرف شيئًا) !
والذي لم يؤدبه الإسلام فلتؤدبه المعرفة وأخلاقها، حتى لا يقفو ما ليس له به علم. لذلك فإن قضية المجتهد المطلق والرجل الملحمة ولى عهدهما، وبالتالي لا بد من إعادة النظر بالشروط العامة، والتحول إلى الشروط الخاصة والمطلوبة لكل شعبة من شعب العلوم والمعارف. إضافة إلى أن إمكانية النظر الفردي تبقى' قاصرة وغير محيطة; حيث لا بد من الاجتهاد الجماعي الذي يجتمع له الخبراء المتخصصون والفقهاء المتمرسون بمعرفة الوحي)
(3) أحمد بن علي أبو بكر الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) "تاريخ بغداد"ج: 14 ص: 247 - 248 دار الكتب العلمية- بيروت
(4) المهدي الوافي"الامام مالك وكتابه الموطأ"ص/216الجزء2من ندوة الامام مالك فاس أبريل 1980.
(5) الشاطبي الموافقات ج4، ص/64 - 67.
(6) الترابي"تجديد أصول الفقه الاسلامي"ص/33.