بيئة يتنفس فيها الاجتهاد وينمو ويتطور .. بل ويمكن أن يصل إلى درجة الحكم والتمييز بين المجتهدين أيهم أعلم وأقوم .. حين تسود فيه معايير في درجات العلم الأتم، ودرجات السيرة الأقوم.
فيقوم هذا الجمهور قادته المجتهدين فيمنح ثقة مناسبة لمن وجد عنده علما مناسبا (ومن رأوا عنده علما كثيرا وصدقا في الالتزام، أولوه ثقة كبيرة واتخذوه إماما مقدم الرأي. ومن لاحظوا زهادة علمه أو قلة أخلاقه سمعوا قوله واستخفوه أو أهملوه) [1] .
ومن حسن تدبير الله تعالى لأمر هذه الأمة أن جعل أئمتها المعتبرين، من إفراز القاعدة المؤمنة، وليس من تعيين السلطة الزمنية وفرض الحكام المستبدين. وليس في ديننا طبقة كهنوتية تتوارث الأسرار المحرمة على الجمهور، ولا كنيسة أو سلطة رسمية (تحتكر الفتوى أو تعتبر صاحبة الرأي الفصل، فالأمة التي لا تجتمع على ضلالة هي المستخلفة صاحبة السلطان تضفي الحجة الملزمة على ما تختاره من الآراء المتاحة. ولكل فرد فيها أن يشارك في تطوير رأي الجماعة بنصيبه من العلم) [2]
وفوق كل ذي علم عليم، حيث تترقى درجات الناس بما يبذلون من وسع في تسلق هرم الاجتهاد. وتتوالى طبقات المفكرين والمجتهدين الذين ينبغي أن يعمر بهم المجتمع المسلم. ويفتح الله على من يكون حجة أهل زمانه.
وأرقى ما يكون الطموح اليه في المستويات الدنيا من الاجتهاد، هو وصول جمهور المتعلمين للعلوم الشرعية إلى مستوى يقارب عموم الصحابة من الناحية العلمية، وذلك الجيل القرآني الفريد، الذين أحسنوا الفهم عن الله وأحسنوا العمل. فقد (كانوا يسألون أهل العلم منهم عن حكم ما يعرض لهم مما يحتاجون اليه في معاشهم ومعادهم، فيروون لهم ما جاء عن الله تعالى أو عن رسوله صلى الله عليه وسلم. فيعملون بروايتهم لا برأيهم من دون تقليد ولا التزام رأي، كما يعرف ذلك من يعرفه) [3] لهم صلاح لسان واستقامة في الأفهام وعلى بينة مما يحتاجون اليه
ونخلص إلى أن المقصود بالمستويات تربية ملكة الاجتهاد، من جهة أولى: التدرج مع أنواع الاجتهاد الممكنة، من مستوياتها الدنيا إلى مستوياتها العليا مع الاجتهاد المطلق. ومن جهة ثانية: التدرج داخل النوع الواحد عبر ملكات جزئية مثل: ملكة الفهم والسؤال والتحليل والمقارنة وغيرها.
فما هي إذن شروط نجاح تربية ملكة الاجتهاد في مستوياتها المختلفة؟ وما هي أهم العوامل الذاتية والموضوعية للنجاح في ذلك؟
(1) الترابي"تجديد أصول الفقه الاسلامي"ص/31.
(2) الترابي"تجديد أصول الفقه الاسلامي"ص/32 - 33.
(3) الشوكاني"أدب الطالب"ص/139نقلا عن محمد علي الشوكاني وجهوده التربوية، صالح محمد صغير مقبل ص/208.