1 -بعض الشروط الضرورية لتربية ملكة الاجتهاد:
سبق أن رأينا في حديثنا عن"الاجتهاد بين الاستمرارية والانقطاع"أن الاجتهاد يحيى بحياة المجتمع، ويموت بموته وأن الفقه يجمد بجمود الحياة. وأن توقف الاجتهاد كان بسبب أزمة حضارية شاملة، إذ أن ازدهاره كان في مرحلة الإقدام، وإحجامه وقع عندما جنحت الحياة الدينية نحو الفتور حيث شاعت أجواء نفسية واجتماعية وسياسية وثقافية وعلمية غير مشجعة. وزاد الخوف وطلب السلامة والاحتماء بالأحوط وازدادت غربة الاجتهاد. وغابت شروط الإبداع الذاتية والموضوعية المتعلقة بطبيعة البيئة والتربية والإعداد والمران.
وليس من حل سوى الإيمان من جديد بإمكان تربية الإبداع في الأمة، إذا تم تطوير الطرق والمناهج وإعداد المربين الأكفاء، وما يقال في الإبداع عموما يمكن أن يقال في الاجتهاد باعتباره لونا من ألوان الابداع.
يقول الشيخ أبو زهرة بعد استعراضه لحياة الامام مالك رحمه الله (هذا الهدى وذلك العلم ينبعث من صفات الشخص ومن شيوخه بالتوجيه ومن عصره بالجو الفكري الذي يتغذى منه، ثم بجهوده. والصفات الذاتية أصل وغيرها فروع) [1] فشجرة الاجتهاد تترعرع وتزهر وتثمر أطيب الثمار، بوجود فسيلة قابلة للغرس والنمو والتطور، في تربة طيبة صالحة، وبرعاية فائقة من أيدي كفأة وأمينة، تجلب الماء الطيب وغيره من المنافع، وتدفع الأذى والضرر بالتهذيب والتشذيب، وتهتم باستقامة العود وإزالة ما يعوق الارتفاع والعلو في الفضاء الحر.
فلابد إذن من بيئة صالحة ومربين أكفاء ومناهج وطرق رفيعة ومن طلبة علم من ذوي الهمم العالية ..
2 -1 - البيئة الصالحة والمربون الأكفاء:
إن البيئة الاسلامية لن تكون بطبيعتها الإيمانية، إلا بيئة صالحة للاجتهاد، إذا كان أهلها مؤمنون حقا، واعون بمقتضيات الإيمان، فمن توابع التوحيدوالتسليم لرب العالمين، احتواء كافة الأنشطة الإنسانية النظرية والتطبيقية لجعلها تتحقق في دائرة القناعات الايمانية، وتتشكل وفق مطالبها وتصوراتها الشاملة، بحيث لا يند منها شيء عن الحكم الشرعي والدخول تحت دائرة الواجب أو المندوب أو الحرام أو المكروه أو المباح.
وما دامت الحوادث والمستجدات غير متناهية حتى تقوم الساعة، فكذلك الاجتهاد يلاحقها باعتباره ضرورة عقدية. كما أن الدين الذي بدأ نزول كتابه الكريم بكلمة"اقرأ"لا يمكن أن يكون إلا دينا اجتهاديا، يفتح صدره للنشاط الاجتهادي والبحث الفكري. حيث يتربى الطفل منذ نعومة أظفاره: مع اقرأ، تفكر، تفقه، انظر،
(1) تاريخ المذاهب الفقهية ص 192.