فهرس الكتاب

الصفحة 328 من 979

اعلم، تبصر، وكن من الذين يعقلون .. ولا شك أنها كلمات توتي أكلها كل حين بإذن ربها: في صورة اجتهادات تمتد بالنص القرآني والحديث النبوي لتنزيلهما على مشكلات كل عصر بحسب ظروفه وإمكاناته تحقيقا لخلود الشرع.

بل إنها بيئة تفرض الاجتهاد، إذ لم يشرع الله تعالى لعباده من الأحكام ما ينظم ابتداء كل تفاصيل شؤونهم، بل جاءت في أغلبها قواعد عامة تصلح للتفصيل بما يناسب الزمان والمكان ومختلف الأحوال. فمن سبحانه وتعالى على عباده بفرض الاجتهاد، ليكون عبادة تؤديها عقولهم، وزكاة لنعمة التفكير، كما فرض الجهاد ليتخذ من صالحي عباده شهداء. يقول تعالى: {وَمَا كَانَ الْمُومِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمُ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} (التوبة: 123)

فإذا فضل المجاهدون بما بذلوا من دماء، فإن فضل المجتهدين يكون بما يبذلونه من جهد في الاستنباط لتعلو كلمة الله ولتحكم تصرفات الناس كلها شريعته، فالاجتهاد فرض (وإن قصر منه أهل عصرعصوا بتركه وأشرفوا على خطر عظيم) [1] .

وهذا كتاب الله فيه آيات لقوم يتفكرون، يأمر الناس بالاعتبار {فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْاَبْصَارِ} (الحشر: من الآية2) فإن كان لم يأمر بالتفقه كافتهم كما في الآية فإنه لم يسقط الاجتهاد عن جميعهم. وفرض وجود مراجع في الأمة، يرجع إليهم عند الحاجة {وَلَوْ رَدُّوهُ إلى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْاَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُم) (النساء: من الآية83) }

وهذه السنة النبوية الشريفة تزف بشرى الأجر لمن بذل وسعه وطاقته في الاجتهاد سواء أصاب في ذلك أم أخطأ. فعن عمرو بن العاص رضي الله عنه: أنه سمع رسول الله يقول: (إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد ثم أخطأ فله أجر) [2]

ورغم هذه الخلفية العقدية للبيئة الإسلامية، فسيبقى الاختلاف بينها عبر الزمان والمكان، بحسب تفاعل الناس مع هذه المعاني فهما وتنفيذا. فرغم أن العقيدة هي العقيدة، والنصوص هي النصوص ولكن الناس ليسوا هم الناس. ولم يكن من العبث فضل من سلف من أهل القرون المشهود لها بالخيرية على من بعدهم من الخلف حيث كانت فيهم ملكة الاجتهاد أقوى وأعمق. يقول ابن حجر الهيثمي وهو يميز بين مصطلح المتقدمين والمتأخرين، أن المتقدمين: (هم من قبل الأربع مائة ومن عداهم يسمون بالمتأخرين ولا يسمون بالمتقدمين( ... ) ويوجه هذا الاصطلاح بأن بقية أهل القرن الثالث من جملتهم السلف المشهود لهم على لسانه صلى الله عليه وسلم بأنهم خير القرون فلما عدوا من السلف وقربوا من عصر

(1) الزركشي البحر المحيط ج 8/ 228.

(2) أورده الامام الشافعي في"رسالته"بسنده إلى الرسول صلى الله عليه وسلم: ص/494. وقال عنه وهبة الزحيلي في هامش صفحة 1039من كتابه أصول الفقه الاسلامي"ج2 حديث متواتر المعنى أخرجه البخاري ومسلم وأحمد وأصحاب السنن."

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت