فهرس الكتاب

الصفحة 329 من 979

المجتهدين وكانت ملكة الاجتهاد فيهم أقوى من غيرهم خصوا تمييزا لهم على من بعدهم باسم المتقدمين) [1]

فنجد (أكثرالصحابة الملازمين للنبي صلى الله عليه وسلم كانوا فقهاء مجتهدين( ... ) ولا يطمع في عد آحاد المجتهدين من الصحابة والتابعين لكثرتهم وعدم حصرهم) [2] وكان المجتهدون في المائة الثانية أكثر وأوفر، وكانوا أجل وأعظم بالنسبة لمن بعدهم. كما كانت (المائة الثالثة مزدانة بالأئمة الكبار على قلتهم بالنسبة للمائة قبلها بخلاف الرابعة التي فشا فيها التقليد، وصار العلماء للجدال في أي المذاهب أفضل وأيها يرجح( ... ) كل ذلك تصديقا لقوله صلى الله عليه وسلم: (خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) ) [3]

فبعد عجزنا عن عد المجتهدين صرنا إلى كثرة يمكن عدها ثم إلى قلة ثم بدأنا نبحث في كل قرن من الزمان عن الثلاثة والإثنين والواحد أو لا نكاد، إلا أن ندخل المجتهدين المنتسبين وأصحاب الوجوه والترجيح والفتوى والتلفيق .. ثم صرنا لمناقشة خلو العصر من المجتهد ..

وهكذا منذ أن تحول أمر الأمة من رابطة الشورى الحقيقية والخلافة الراشدة إلى قاعدة العصبية والملك والاستبداد وهي في نقصان. لأن الكل يعلم (أن الاستبداد ماح للاجتهاد موجب للتقليد) [4] وعسى أن يكون في عودة الاعتبار إلى الشورى في الأمة شيئا فشيئا، حتى تتوج بالخلافة على منهاج النبوة، عودة إلى أمر الاجتهاد كما بدأ.

وتجدر الإشارة إلى أن الأمة الإسلامية رسخ فيها منذ عهد الرسول - صلى الله عليه وسلم - ثم عهد الصحابة والتابعين وتابعيهم، أخذ العلم عن أفواه الرجال، ولم تكن الكتابة إلا أمرا تابعا للاحتياط ضد عوامل النسيان، وزيادة في الضبط والتوثيق، فكانوا يجمعون إلى أخذ العلم أخذ العمل والسلوك مما يكون له أبلغ الأثر في التربية والتكوين والفهم السليم. ولهذا (كان يقال لا تحملوا العلم عن صحفي ولا تأخذوا القرآن عن مصحفي) [5] إنما هي الرحلة لملاقاة الشيوخ، ففي التلقي عنهم وقوف على احوال من يؤخذ عنه الدين وفيه تقوية للملكة كما سبق بيانه.

وإذا نظرنا إلى البيئة التي نشأ فيها الأئمة المجتهدون الكبار نجدها مشجعة وملائمة لما صاروا إليه، فهذا الامام أبو حنيفة رحمه الله نشأ في الكوفة حيث توفرت له بيئة علمية عاش فيها واستنشق عبيرها وجالس علماءها، والتقى بكل أنواع

(1) أحمد بن حجر الهيتمي (ت 974هـ) "الفتاوى الفقهية الكبرى"ج 4 ص64 - الناشر: المكتبة الإسلامية.

(2) السيوطي"الرد على من أخلد إلى الأرض"186 - 187.

(3) الحجوي الفكر الاسلامي م2 ج3/ 48.

(4) نفس المرجع السابق م1، ج2/ 270 - 271.

(5) أبو أحمد الحسن بن عبد الله العسكري (ت 382هـ) "أخبار المصحفين"تحقيق صبحي البدري السامرائي - عالم الكتب- بيروت- 1406 - الطبعة: الأولى.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت