الاتجاهات الفكرية في عصره، ومارس التجارة وخبر معاملات الناس ولزم شيوخا بصروه بالدقائق ونبهوه إلى ما خفي، حتى سار في أمره على نور، فقد لزم حماد بن أبي سليمان ثمانية عشر سنة، واطلع من خلال أساتذته على فقه عمر المبني على المصلحة، وفقه علي المبني على الاستنباط والغوص في طلب حقائق الشرع، وعلى علم عبد الله بن مسعود المبني على التخريج، وعلى علم ابن عباس ترجمان القرآن .. يقول أبو حنيفة: (كنت في معدن العلم والفقه، فجالست أهله ولزمت فقيها من فقهائهم) [1] .
والامام مالك رحمه الله نشأ في بيئة المدينة التي ورثت علم النبوة معايشة وليس فقط رواية وأثر الصديق ثم أثرعمر وعبد الله بن عمر وزيد بن ثابت وعائشة وغيرهم كثير وأثمرت حلقات الدراسة في المسجد النبوي مدرسة ظهر منها جماعة من الفقهاء مثل سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير والقاسم بن محمد وأبو بكر بن عبد الرحمن وسليمان بن يسار وخارجة بن زيد وعبيد بن عبد الله وغيرهم ..
ونشأ مالك في بيت متجه لاكتساب العلم واقتنائه وتعلمه وتعليمه، فوالدته الأزدية ترشده: (اذهب إلى ربيعة الرأي فتعلم من أدبه قبل علمه) وأبوه في البيت يلقي عليهم المسائل (قال مالك: كان لي أخ في سن ابن شهاب فألقى أبي يوما علينا مسألة فأصاب أخي وأخطأت، فقال لي أبي ألهتك الحمام) [2] .
وكان ذلك حافزا له على مزيد من الطلب، وهذه ابنته تحفظ الموطأ (قال الزبير: كان لمالك ابنة تحفظ علمه يعني الموطأ، وكانت تقف خلف الباب فإذا غلط القارىء نقرت الباب فيفطن مالك فيرد عليه) [3] كما أن مالكا انقطع إلى ابن هرمز سبع سنين لم يخلطه بغيره، و (ذكر النووي أن شيوخ مالك بلغوا التسعمائة، منهم ثلاثمائة من التابعين وستمائة من تابعيهم) [4]
و (قال ابن حبان في الثقات: كان مالك أول من انتقى الرجال بالمدينة وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث ولم يكن يروي الا ما صح، ولا يحدث الا عن ثقة مع الفقه والدين والفضل والنسك) [5] وكان رحمه الله يتفاعل مع مشاكل عصره، حيث كان الناس يحملون إليه مشاكل أقاليم عريقة في الحضارة، كثيفة السكان معقدة الحياة مثل فارس ومصر .. مما خصب فكره ووسع آفاقه.
وهذا الامام الشافعي ينتقل بين بيئة مكة وبواديها يتعلم كلامها، ويأخذ طبعها ويتفصح في العربية، ثم يطلب الفقه والحديث من الفقهاء والمحدثين بمكة، ثم ينتقل إلى بيئة المدينة ويلازم شيوخها، ويصاحب مالكا حوالي تسع سنين. ثم ينتقل إلى البيئة العراقية ليلازم محمد بن الحسن الشيباني. فاجتمع له فقه الحجاز وفقه
(1) أبو زهرة تاريخ الذاهب الإسلامية ج: 2 ص135
(2) القاضي عياض ترتيب المدارك ج1/ص109.
(3) القاضي عياض ترتيب المدارك ج1/ص109.
(4) المهدي الوافي"الامام مالك وكتابه الموطأ"ص216 ندوة الامام مالك الجزء2.
(5) محمد بن حبان بن أحمد أبي حاتم التميمي البستي (ت354هـ) "الثقاة"ج: 7 ص: 459 - مطبعة مجلس دائرة المعارف العثمانية، بحيدر آباد الدكن الهند-ط: 1 - 1393هـ-الناشر: مؤسسة الكتب الثقافية