النووي وابن دقيق العيد الذين كانوا يدرسون الفقه والحديث دراسة فاحصة فيقارنون في الفقه بين المذاهب الاسلامية [1] .
ورأينا طول ملازمة الشيوخ كيف تستمر لسنوات، الأمر الذي يفيد نوعية العلاقة الرفيعة بين طلبة الاجتهاد وأساتذتهم، والدفء الذي كان يسودها، فقد كانت علاقة أبي حنيفة رحمه الله مع تلامذته مثل علاقة الأب بأولاده يواسيهم بماله ويزوج غير القادر منهم، قال فيه بعض معاصريه: (كان يغني من يعلمه وينفق عليه وعلى عياله. فإذا تعلم قال له:(لقد وصلت إلى الغنى الأكبر بمعرفة الحلال والحرام) [2]
ونصح أبو حنيفة بعض تلامذته فقال: (واعط كل من يختلف إليك نوعا من العلم ينظرون فيه، ويأخذ كل واحد منهم بحفظ شيء منه، وخذهم بجلي العلم دون دقيقة، وآمنهم ومازحهم أحيانا وحادثهم فإن المودة تستديم مواظبة العلم وأطعمهم أحيانا، واقض حوائجهم واعرف مقدارهم وتغافل عن زلاتهم ... وكن كواحد منهم) [3] فكان أبو حنيفة رحمه الله أمة وحده خرج بهذا المسلك ما تعجز عنه أعرق الجامعات بأطرها ومناهجها ومختلف وسائلها.
فبالإضافة إلى الجم الغفير الذي استفاد من علمه في زمانه وملايين الخلق بعد زمانه إلى الآن، فقد لازمه ست وثلاثون طالبا كانوا من خاصته، اطمأن إلى مسلكه فيهم واجتهاده عليهم فقال: (هؤلاء ستة وثلاثون رجلا منهم ثمانية وعشرون يصلحون للقضاء ومنهم ستة يصلحون للفتوى ومنهم اثنان يصلحان يؤدبان القضاة وأصحاب الفتوى وأشار إلى أبي يوسف وزفر) [4] وكذلك الشأن في الأئمة رحمهم الله تخرج على أيديهم علماء عظام.
3 -صياغة مناهج تعليمية هادفة إلى تربية ملكة الاجتهاد:
يقول روثh-roth: (ينبغي على المدرسة أن تكون المكان الذي يتم فيه تطوير المواهب وتحريضها، وأن علاقة المواهب بالتعليم أكثر أهمية من ارتباطها بالنضج وبالوسط المحيط، وهذا ما يجعل طرائق التعليم تضطلع بدور جديد يتصف بالدلالة والنموذجية) [5] .
وقد كان لسلفنا حظ وافر من اهتمامهم بجودة المناهج والطرق، والوصول إلى الإشراف التربوي والتعليم السليم من خلال تكوين طلبتهم، وبناء مرجعياتهم وحسن توجيههم، وإثارة تفكيرهم وبناء ملكة الاجتهاد وتمرينهم عليه لتأهيلهم لحمل الأمانة بعدهم، وإذا استثنينا المضامين التي تجمع بين عناصر ثابتة وأخرى متغيرة فإن المناهج والطرق في أصلها متغيرة تخضع للتجربة والتطور، ويكون
(1) أبو زهرة المذاهب الفقهية ج2/ص411.
(2) أبو زهرة المذاهب الفقهية ج2/ص141.
(3) أبو زهرة المذاهب الفقهية ج2/ص142.
(4) أحمد بن علي أبو بكر الخطيب البغدادي (ت 463 هـ) "تاريخ بغداد"ج: 14 ص: 247 - 248 دار الكتب العلمية- بيروت
(5) الكسندو روشكا"الابداع العام والخاص"ص/198. عالم المعرفة ع: 144 دجنبر1989م.