فهرس الكتاب

الصفحة 336 من 979

يقرر أن مقياس الذكاء يكون بالحافظة وحضور البديهة التي تثير المعلومات في الوقت المناسب) [1] .

وقد حورب هذا الأسلوب محاربة شديدة من قبل كثير من رجال التربية المحدثين، وأثاروا ضجة كبرى حوله، واعتبروه أسلوبا غير فعال لأنه يسلب الإنسان شخصيته وغفلوا عن الحقائق التالية:

-قد يصدق عن الحفظ بعض ما يقولون لو كان المسلمون يكتفون بعتبته دون الفهم. ولا أحد من علماء التربية المسلمين يقول بذلك.

-التجربة التاريخية والواقعية إلى عهد قريب تكذب هذا الإدعاء فجميع الفحول وأعلام اللغة والدين والأدب وغيره من العلوم في تاريخ المسلمين كان الفضل الأكبر لنبوغهم فيها هو أسلوب الحفظ الذي يبدأ بالقرآن في الكتاتيب ثم الفهم، فهو سمة من سمات التعليم الاسلامي على مر العصور وقد أنتج علماء كبار في مختلف الفنون.

-ليس مستبعدا أن يكون هذا الأسلوب هدفا لحملات أعداء الإسلام والمسلمين لإبعاد الناس عن حفظ القرآن الكريم، فتم بذلك توظيف الدراسات النفسية والتربوية في هذا المجال.

-الحفظ ليس أسلوبا متخلفا كما يدعي البعض، يقول أحد الباحثين: (إن دراسات حديثة أثبتت فعالية هذا السلوب وآثاره الإجابية في العملية التربوية) [2] ويقول بأن تلميذ الأمس كان يهتم بالحفظ أولا ثم الفهم في مرحلة تالية أما تلاميذ اليوم فهم يبدؤون تعليمهم بالفهم فأصبحت النتيجة عدم الفهم والحفظ وإذا فات المتعلم الحفظ في صغره فلا يقدر عليه وقت الكبر) [3] .

ولهذا لا بد من حد أدنى من الحفاظ على هذه الملكة في الأمة، وإن كنا لا نرى قدرة أهل زماننا على مجاراة المتقدمين في هذا المجال، فإذا كان الإمام الحافظ الذهبي وهو من هو وأمثاله في زمانه يقول في ترجمة الحافظ أبي بكر احمد بن إبراهيم بن إسماعيل الإسماعيلي الجرجاني امام أهل جرجان الشافعي المتوفى سنة إحدى وسبعين وثلاثمائة: (ابتهرت بحفظه وجزمت بأن المتأخرين على إياس من أن يلحقوا المتقدمين في الحفظ والمعرفة) [4] فما عسانا نحن نقول، غير أن الله عز وجل تغمدنا برحمته وستر هذه العورة فينا، بما تيسر لنا من الوسائل الحديثة.

ولا ينبغي في الحد الأدنى أن يقل طموح الصاديقين في الانتماء للأمة من وضع خطة في برامجنا التربوية يتمكن من خلالها أبناؤنا من ختم كتاب الله عز وجل مع حصولهم على شهادة"الباكلوريا"ويكون ذلك بمعدل خمسة أحزاب في السنة وهي ليس كثيرة إذا صدقت النيات في تكوين جيل عامر القلب بكتاب الله عز وجل.

ب- الفهم مطلب شرعي وخطوة ضرورية في طريق الاجتهاد والإبداع:

حيث لا قيمة معتبرة للحفظ من غير فهم ولا فقه وتفقه. وباجتهاد العالم (يسمى فقيها لا بحفظ مسائل الفقه ولو بلغت في العدد أقصى ما يمكن أن يحفظه إنسان) [5] كما يؤكد ابن رشد. إذ الهدف المتوخى من الإطلاع على الخبر وحفظه هو فهم معانيه الجلية والدقيقة فالثقافة (تكتسب أساسا من النصوص، ومن الحوار الذي ينشأ بين القارىء- طالب المعرفة- وبين المؤلف حيث يتم سبر أغوار فكره ووجدانه، وحيث يتم خلق نوع من التعاطف الضروري لكل فهم ولكل تواصل) [6]

وإذا كان هذا في النصوص البشرية فكيف بنصوص الوحي التي تحتفظ بخصوصياتها المتميزة؟

ففهم المراد الإلهي بأوامره ونواهيه مبني على فهم خصائص الأصول في الدلالة على الأوامر والنواهي واعتبار الغاية التطبيقية فيهما، أي استحضار مقتضيات ذاتية ترتبط بشخصية دارس النص وإمكاناته ومؤهلاته العلمية، وتجربته الخاصة، ومقتضيات موضوعية، تتوقف على تقنيات يمكن استفادتها من الشروط المعرفية للاجتهاد إذ هناك قواعد وضوابط لفهم نصوص الوحي. منها ما يرجع إلى قانون اللسان العربي في الدلالة، أو العلاقة بين النصوص قرآنا وحديثا أو العلاقة المنطقية بين الكل والجزء والعام والخاص والازم والملزوم [7] .

ومهما يكن من أمر الضوابط فسيبقى للخلاف مجاله بين الناس مثل ما يكون من حالهم بين الحرفية والغائية. وذلك منذ عصر الصحابة رضوان الله عليهم. فقد روى الإمام البخاري عن ابن عمر رضي الله عنه قال: قال النبي صلى اله عليه وسلم يوم الأحزاب: (لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقال بعضهم لا نصلي حتى نأتيها وقال بعضهم بل نصلي لم يرد منا ذلك، فذكر للنبي صلى الله عليه وسلم فلم يعنف واحدا منهم) [8] .

وكذلك ما روي أن صحابيين خرجا في سفر فحضرت الصلاة ولم يكن معهما ماء فصليا ثم وجدا الماء في الوقت فأعاد أحدهما ولم يعد الآخر، فصوبهما رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال للذي لم يعد صلاته أصبت السنة وأجزأتك صلاتك، وقال للذي أعاد: لك الأجر مرتين [9] . وكان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل منهم ما وسع الشرع ذلك، ويرد الأفهام التي تناقض الأصول، وقد يعنف إذا كان الرأي صادرا بغير علم وفيه جرأة على الفتوى ونتج عنه فساد، مثل قوله: في أولئك الذين أفتوا رجلا جرح في رأسه بوجوب الاغتسال فمات: قتلوه قتلهم الله [10] . أو يتلطف

(1) أبو زهرة تاريخ المذاهب الفقية ج2/ص311.

(2) "الشوكاني وجهوده التربوية"ص /302.

(3) ".. الشوكاني وجهوده التربوية"ص /302.

(4) محمد بن جعفر الكتاني (ت 1345هـ) "الرسالة المستطرفة لبيان مشهور كتب السنة المصنفة"ج: 1 ص: 26 - تحقيق: محمد المنتصر محمد الزمزمي الكتاني- دار البشائر الإسلامية- بيروت- 1406 - 1986 - الطبعة: الرابعة

(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 147

(6) محمد الدريج"النصوص التربوي"ص/5.

(7) عبد المجيد النجار فقه التدين فهما وتنزيلا ج1/ص95 كتاب الأمة ع22سنة 1410هـ.

(8) صحيح البخاري ج: 1 ص: 321 - كتاب أبواب صلاة الخوف- باب صلاة الطالب والمطلوب راكبا وإيماء-

(9) رواه ابو داود وقال الحاكم في"لمستدرك على الصحيحين: (هذا حديث صحيح على شرط الشيخين فإن عبد الله بن نافع ثقة وقد وصل هذا الإسناد عن الليث وقد أرسله غيره) ج: 1 ص: 286."

(10) أورد نصه أبو داود في سننه ج: 1 ص: 93 - باب في المجروح يتيمم

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت