فهرس الكتاب

الصفحة 356 من 979

ويقول عن آثار مواعظه: (ولقد تاب على يدي في مجالس الذكر أكثر من مئتي ألف، وأسلم على يدي أكثر من مئتي نفس، وكم سالت عين متجبر لم تكن تسيل) [1] هذا ما يثمره الصبر والتقوى من الخير والقبول.

7 -التشجيع على التعلم الذاتي والنظرة النقدية:

وأما ما يطلب في جانب القوة والعلم، فمن العوامل الذاتية في الإبداع: القدرة على اكتشاف المشاكل وإيجاد الحلول المناسبة لها، والقدرة على استخدام أساليب التفكير المناسبة لتقابل متطلبات المواقف الجديدة، وما يفرضه ذلك من مرونة فكرية وطلاقة عقلية، وإحساس مرهف بالنقص والقصور والأخطاء، ورؤية الكثير من المشكلات في الموقف الواحد، والأصالة والقدرة على اكتشاف العلاقات وايجاد النظم والقدرة على تقييم النتائج

وما يصاحب كل ذلك من حاجة نفسية وطاقة زائدة وطموح كبير، وانفعال بالأشياء وانجداب نحو الغامض لمعرفته، وسبر أغواره وحب السؤال والبحث والاستقلالية والثقة بالنفس، وامتلاك ملكة النقد والتمايز في الفكر والمبادأة والتلقائية والإحساس بالحرية، وغيرها من عوامل القوة الدافعة إلى الاجتهاد والتي ينبغي أن تترجم إلى الاجتهاد في الحفظ والتفقه والحرص على جودة التلقي وفحص ما يتلقاه الطالب واكتساب ملكة التعلم الذاتي .. وسيرة المجتهدين غنية بهذه المعاني.

وباعتبار الحافظة القوية أساسا للنبوغ في أي علم بما تمد به العالم من غذاء لعقله وما يكون أساسا لفكره، فقد سبق بيان أهمية هذه المهارة وضرورة تقويتها والعناية بها وذكر نماذج من تحقق العلماء بها وضرورتها في درب تكوين المجتهدين. وقوة الحافظة لا تعني في شيء إهمال المعاني والفهم، فلم يكن أبدا تحصيل وحفظ أولئك الأعلام بغير روية، وإنما كان يصاحبه فقه وتفكر ونقد، فأبو حنيفة رحمه الله كان يتجه إلى لب الحقائق ومعرفة ما وراء النصوص من علل وأحكام، وإذا أراد استخراج حكم من نص قرآني اتجه إلى تعرف مراميه وغاياته وعلله [2] .

قال ابن معين في مالك رحمه الله (ما رأيت أحدا أجود أخذا للعلم من مالك، وقال أحمد بن صالح ما أعلم أحدا أشد تنقيا للرجال والعلماء من مالك) [3] وقال مالك: (ما كنا نأخذ الحديث إلا من الفقهاء) [4] وقد حرص مالك رحمه الله على هذا التمحيص منذ فترة التلقي والطلب فقد (سئل ابن هرمز ذات يوم فقيل: حل في بدني ضعف، ولا آمن أن يكون قد دخل على عقلي مثل ذلك، وأنتم إذا سألتموني عن شيء فأجبتكم قبلتموه، ومالك وعبد العزيز ينظران فيه فإن كان صوابا قبلاه وان كان غيره تركاه) [5] .

(1) صيد الخاطر ص/20.

(2) تاريخ المذاهب الفقهيةج: 2ص 139

(3) ترتيب المدارك ج1/ 124 - 125.

(4) ترتيب المدارك ج1/ 124 - 125.

(5) ترتيب المدارك ج1/ 134.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت