وقد وضع الإمام مالك رحمه الله ضوابط للأخذ عن الشيوخ مما يدل على حسه النقدي، فهو لا يأخذ الحديث عن سفيه أو صاحب هوى يدعو الناس إلى هوى، أو كذاب يكذب في أحاديث الناس، أو شيخ له فضل وصلاح وعبادة إذا كان لا يعرف ما يحدث. وقال فيه ابن حبان (كان مالك أول من انتقى الرجال بالمدينة وأعرض عمن ليس بثقة في الحديث ولم يكن يروي إلا ما صح ولا يحدث إلا عن ثقة) [1] .
والإمام الشافعي بحسه النقدي: وازن بين فقه أهل الحجاز وفقه أهل العراق، ولم يمنعه تقديره للإمام مالك بالخروج بمذهب جديد، ومن مرونته الفكرية والعقلية وتفاعله مع المستجدات تغييره لبعض الاجتهادات لما حل على أهل مصر قادما اليها من العراق فعرف فقهه بالمذهبين القديم والجديد.
وهكذا كان منهج العلماء العاملين المجتهدين لم يكونوا يزدردون ما يلقى إليهم، بل يفحصونه ويمحصونه، يقبلون بعضه ويردون بعضه، ويدرسون الروايات دراسة فاحصة ولا يقبلون إلا ما يوافق الكتاب والسنة والمقاصد الشرعية.
وهذا الإمام الشوكاني كان لايمل القراءة والمطالعة ويسلك سبيل (التعلم الذاتي) بعد أن تلقى عن الشيوخ، بل وفي أثناء التلقي كان يقوم بتدريس زملائه وأقرانه فهو يقول: (يختلف الانتفاع بالعلوم باختلاق القرائح والفهوم، فقد ينتفع من هو كامل الذكاء صادق الفهم قوي الإدراك بالقليل مالا يقتدر على الانتفاع بما هو أكثر منه كثير من جامدي الفهم راكدي الفطنة) [2]
فهو يدعو إلى الاهتمام بالدافع لدى المتعلم من صلاح النية والرغبة الصادقة ووجود الهمة العالية والعزيمة القوية بحيث لا يرضى الطالب لنفسه بالدون، ولا يقنع بدون المقصد والغاية.
فلا بد من الجد والاجتهاد لبلوغ أعلى المراتب وحصول أسمى المطالب، ويدعو إلى المزج بين العلم والعمل وإعمال العقل والاجتهاد في تجاوز عوائق التعلم: مثل الاقتصار على تعلم فن دون غيره، واعتبار بقية العلوم الأخرى لا فائدة منها. والتحلي بأخلاق التجرد وعدم جعل العلم صهوة للتكسب وطلب الشهرة ..
ويدعو في التربية العقلية إلى وعي الطالب بضرورة التحرر من القيود والأغلال ويقظة الحواس والوجدان، باعتبارها أبوابا للفكر وروافد للمعرفة. وتقوية العقول عن طريق التزود من العلوم المختلفة لتزكو ويرتفع مستواها، والاهتمام بمختلف الوظائف من تذكر وتفكير وتدبر ونظر. ولا يكون ذلك إلا بتوسع في العلوم وإدمان على القراءة والكتابة، والتحرر من هالة الأشخاص وآرائهم وممارسة المنهج العلمي في التفكير.
فكان في منهجه رحمه الله يربي تلامذته على هذه المعاني فكان يقرر دليل كل مسألة ويوضح لهم الراجح فيها ويطلب منهم أن يسلكوا مسلكه في البحث بالرجوح إلى أمهات الكتب ويناقشها معهم مع التزامه بالانصاف. وفي ذلك تعويدهم على حب البحث والإطلاع وإعمال العقل للوصول إلى القول الراجح بعيدا عن التعصب
(1) ابراهيم بن الصديق"مالك المحدث"-ندوة الإمام مالك ج: 2ص/266.
(2) "الشوكاني وجهوده التربوية"ص/178 - 183.