فهرس الكتاب

الصفحة 358 من 979

والتقليد، يقول رحمه الله: (لا تقلد في ذلك أحدا، ولا تقتد بقول رجل ولا تقف عند رأي ولا تخضع لغير الدليل ولا تعول على غير النقد) [1] .

فهو يؤكد على ضرورة الفهم والنقد والتحليل والتقييم، للخروج بنتائج أقرب ما تكون إلى الصواب ويدعو إلى التفكير الابتكاري والاجتهاد ومحاربة العوائق مثل: التعصب للمذاهب والبدع والخرافات وكذا غربلة التراث من الافتراءات والاسرائليات وغيرها من المعوقات التي تحول دون انطلاق التفكير الحر.

8 -الاهتمام أكثر بالأصول لكونها تقدح زناد الاجتهاد:

فأمام تشعب العلوم وكثرة المؤلفات واتساع المطلوب وقصر الأعمار، يحسن بطالب الاجتهاد اقتصاد الجهد والأخذ بسلم الأولويات في العلم. ولهذا نجد ابن رشد يركز كثيرا كما سبق ذكره على الاهتمام بالأصول وعدم تضييع الأعمار مع التفريعات قبل إحكام ما هنالك من قواعد وأمهات وأسس عليها يبنى صرح الاجتهاد والتفريع، ويصلح هنا استحضار موقف الشافعي الذي اعتكف ثلاثا على التدبر في القرآن حتى استخرج دليل الإجماع.

جاء في أحكام القرآن للشافعي والذي جمعه البيهقي ما يلي:(قال المزني والربيع: كنا يوما عند الشافعي، إذ جاء شيخ فقال له: أسأل قال الشافعي: سل قال إيش الحجة في دين الله؟ فقال الشافعي: كتاب الله، قال: وماذا؟ قال: سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: وماذا؟ قال: اتفاق الأمة. قال: ومن أين قلت اتفاق الأمة من كتاب الله؟ فتدبر الشافعي رحمه الله ساعة، فقال الشيخ: أجلتك ثلاثة أيام فتغير لون الشافعي، ثم إنه ذهب فلم يخرج أياما.

قال: فخرج من البيت في اليوم الثالث، فلم يكن بأسرع أن جاء الرجل، فقال: حاجتي؟ فقال الشافعي رحمه الله: نعم، أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم قال الله عز وجل: {ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيرا} لا يصليه جهنم على خلاف سبيل المؤمنين إلا وهو فرض. قال: فقال: صدقت، وقام وذهب. قال الشافعي: قرأت القرآن في كل يوم وليلة ثلاث مرات حتى وقفت عليه) [2] .

فهذا النص الثمين، يبين مقدار الجهد الذي بذله أولئك الأعلام الكبار لاستخراج القواعد والأصول انطلاقا من التدبر في كتاب الله عز وجل، وخصوصا في العصور الأولى حيث ازدهار الاجتهاد. غير أن تقدم الزمن بالمسلمين جعلهم يضعون الحواجز تلو الحواجز بينهم وبين أصول الإسلام وينابيعه الأولى أي الكتاب والسنة، فضعفت فيهم ملكة الاجتهاد بقدر ما كانت قوية في أسلافهم.

وفي عصور التقليد توجه كل الجهد إلى التفكر والتدبر في كتب الفروع فهذا الإمام محمد أبو بكر الأبهري ناشر مذهب مالك بالعراق يقول: (قرأت مختصر ابن عبد

(1) "الشوكاني وجهوده التربوية"ص/226الى 261.

(2) الإمام الشافعي"أحكام القرآن"ج: 1 ص: 39 - 40 تحقيق: عبد الغني عبد الخالق دار الكتب العلمية- بيروت- 1400

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت