فهرس الكتاب

الصفحة 364 من 979

قرنين من الزمان تمالأ غالبيتهم على إغلاقه، وفتح باب الجدل وكثرة اللجج في المنافحة عما رأوه قد بلغ ذروة الكمال والتمام ولا مزيد عليه، ولأهل الطموح منهم اختصار ما سلف والعناية بحفظ الفروع، وجعلها أصولا تبنى عليها فروع في غالبيتها أوهام وتخيلات.

ولهذا طالما وصف أهل زمانه بالتقليد سواء في"البداية"أو غيرها من كتبه. فقد وعد في مقدمة"البداية"بذكر المسائل المتفق عليها، والتي اشتهر الخلاف فيها بين فقهاء أهل الإسلام (من لدن الصحابة رضي الله عنهم إلى أن فشا التقليد) [1] فأهل التقليد عنده ليسوا حجة، لا فيما اتفقوا فيه ولا فيما اختلفوا فيه، ولهذا لا قيمة لذكر أقوالهم. ولأنهم ليسوا إلا عارضين لسلعة لا يقدرون على صنعها، فهم عالة على الصناع الجديرين بأن يسموا"فقهاء".

ولأن الذي (عنده خفاف كثيرة سيأتيه إنسان بقدم لا يجد في خفافه ما يصلح لقدمه، فيلجأ إلى صانع الخفاف ضرورة. وهو الذي يصنع للقدم خفا يوافقه، فهذا هو مثال أكثر المتفقهة في هذا الوقت [2] فهم عارضو ومروجو فقه وليسوا فقهاء.

ولما كانت"البداية"وضعت كمشروع لتخريج المجتهدين. فإنه طمأن أهل التقليد في بلاده بأنه سيضع لهم كتابا شبيها"بالبداية"ولكنه خاص بالفقه المالكي، ذلك (لما جبل عليه الناس من الاتباع والتقليد في الأحكام والفتوى) [3] وكذلك كان الشأن زمن جده لما أفتى بخلاف الرواية المشهورة (فشنع أهل زمانه ذلك عليه لما كانوا عليه من شدة التقليد) [4] والحق أن الذين يجوز لهم التقليد هم العوام [5] دون غيرهم، ذلك أن حسن ثقتهم بالمجتهد (جعلت ههنا أمارة للزوم الأحكام لهم [6] كما جعلت غلبة الظن للمجتهد أمارة للزوم الحكم له) [7] ويرى ابن رشد أن الناس صنفان: عوام ومجتهدون، وليس من مبرر لوجود طائفة ثالثة لا هي من فئة العوام ولا هي من أهل الاجتهاد، [8]

والمؤسف أنهم (هم المسمون في زماننا هذا أكثر ذلك بالفقهاء) [9] ولهذا يرى إلحاقهم بمرتبة العوام لأن ظاهر أمرهم التقليد ولا يميزهم عن العوام غير حفظ آراء المجتهدين وإخبار العوام بها. ولكن المشكلة كما يراها ابن رشد في هذه الفئة، أنها لا تكتفي بمرتبة النقل بين المجتهدين والعوام، وإنما تتجرأ على نوع

(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 1

(2) البداية ج2 ص317 ط. د. ج

(3) البداية ج2 ص612 ط. د. ج

(4) البداية ج2 ص301

(5) مختصر المستصفى لابن رشد دار الغرب الإسلامي بيروت ط1 1993 ص143

(6) يشبه هذا الرأي إلى حد بعيد رأيه في مجال الاعتقاد إذ يرى أن الناس ثلاثة أصناف: أهل الظاهر (الجمهور) وأهل الجدل (المتكلمون) وأهل البرهان (الحكماء والفلاسفة) ويشنع بالفئة الثانية ولا يرى لها دورا بل يحملها مسؤولية التشويش والتشغيب الذي أحدثته في أذهان العامة لما صرحوا بتأويلات لا تطيقها عقولهم (فأخطأوا مقصد الشارع وضلوا وأضلوا) ص36 فصل المقال - فلسفة ابن رشد)

(7) مختصر المستصفى لابن رشد دار الغرب الاسلامي بيروت ط 1 1993 ص 143

(8) مختصر المستصفى ص134

(9) نفسه ص 134

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت