اجتهاد بغير أن تحصل أدواته وتحوز شروطه (فيقيسون أشياء لم ينقل فيها عن مقلديهم حكم على ما نقل عنهم في ذلك حكم، فيجعلون أصلا ما ليس بأصل، ويصيرون أقاويل المجتهدين أصولا لاجتهادهم وكفى بهذا ضلالا وبدعة) [1] .
ولعل رغبته في الإصلاح، ومحاربة"البدعة المستحدثة"أي قياس اجتهاد على اجتهاد، وجعل أصل ما ليس بأصل، مما حركه لتأليف"البداية"قصد التركيز فيها على قواعد المسائل وأصولها، التي تصلح أن يبنى عليها الاجتهاد. ويكون في ذلك تحفيز عليه، فلا ينبغي أن يخلو زمان من مجتهد، لأنه فرض على الكفاية. ولا تحصل الكفاية حتما بنيابة المجتهدين السابقين عنا لأن النوازل الواقعة غير متناهية، فيتعذر إحاطة قولهم بكل نازلة نازلة.
ولهذا فجميع (فروض الكفايات ينبغي أن يكون في زمان زمان من يقوم بها) [2] وإذا كان الاجتهاد في نظر ابن رشد هو: (بذل المجتهد وسعه في الطلب بالآلات التي تشترط فيه) [3] فما هي هذه الشروط لبلوغ مرتبة الاجتهاد؟
لا يشير ابن رشد في"البداية"لذلك على وجه التفصيل، إنما أشار إلى أن (هذا الكتاب إنما وضعناه ليبلغ به المجتهد في هذه الصناعة رتبة الاجتهاد، إذا حصل ما يجب له أن يحصل قبله من القدر الكافي له في علم النحو واللغة وصناعة أصول الفقه، ويكفي من ذلك ما هو مساو لجرم هذا الكتاب أو أقل) [4]
وفي موضع آخر من"البداية"و (في قوة هذا الكتاب أن يبلغ به الإنسان كما قلنا رتبة الاجتهاد إذا تقدم فعلم من اللغة العربية وعلم من أصول الفقه ما يكفيه في ذلك) [5] . وقد سبق أن بين ما يراه من شروط للمجتهد في"مختصرالمستصفى"بحيث ينبغي أن يكون عارفا بالأصول الثلاثة من كتاب وسنة وإجماع كما ينبغي أن (تكون عنده القوانين والأحوال التي بها يستنبط) [6] ويبدو أنه لا يرى في ذلك شروطا تعجيزية فبعد أن يعلم من اللغة واللسان ما يفهم به كتاب الله تعالى وسنة نبيه بغير لحن يكفيه أن يعرف آيات الأحكام ويعرف ناسخها من منسوخها ومن السنة وجود أصل مصحح لديه لجميع أحاديث الأحكام. وليس مطلوبا منه مع تباعد الزمن معرفة صحة الأسانيد بتعديل الرواة وتتبع سيرهم وأحوالهم فلا بأس أن يقلد في ذلك ويعول في صحتها على من يحسن ظنه به كالبخاري ومسلم. كما يجب عليه معرفة جميع المسائل المجمع عليها لئلا يخالف قوله في مسألة ما الإجماع. وليس من شرط الاجتهاد معرفة علم الكلام أو التفا ريع الفقهية (لأن المجتهد هو الذي يولدها) [7] ومجال تحركه واسع جدا يشمل (كل حكم شرعي
(1) مختصر المستصفى ص 145
(2) مختصر المستصفى ص 145
(3) مختصر المستصفى ص137
(4) بداية المجتهد ج: 2 ص: 147
(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 291
(6) مختصر المستصفى ص137
(7) مختصر المستصفى ص138