فهرس الكتاب

الصفحة 397 من 979

الفقه على الوجه الأمثل ما كان في الأحكام:

فأهل الأصول يخصون الفقه بإدراك الأحكام الشرعية، يقول النووي عن الفقه بأنه: (عبارة عن الفهم في الدين، واصطلح بعد ذلك الفقهاء وأصحاب الأصول على تخصيص الفقه بإدراك الأحكام الشرعية العملية بالاستدلال على أعيانها) [1] ويقول ابن حجر: (والفقه هو الفهم، قال الله تعالى: لا يكادون يفقهون حديثا أي لا يفهمون، والمراد الفهم في الأحكام الشرعية) [2] . والمذاهب الفقهية نفسها لم تتميز فيما بينها إلا بسبب ما وقع من خلاف بين أئمتها في الأحكام، فالمذهب ما يصار إليه من الأحكام، يقول صاحب التعاريف: (المذهب لغة محل الذهاب وزمانه والمصدر والاعتقاد والطريقة المتسعة ثم استعمل فيما يصار إليه من الأحكام) [3]

دوران أصول الفقه على الأحكام:

يقول الغزالي في المستصفى:(اعلم أنك إذا فهمت أن نظر الأصولي في وجوه دلالة الأدلة السمعية على الأحكام الشرعية لم يخف عليك أن المقصود معرفة كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة , فوجب النظر في الأحكام , ثم في الأدلة وأقسامها , ثم في كيفية اقتباس الأحكام من الأدلة , ثم في صفات المقتبس الذي له أن يقتبس الأحكام , فإن الأحكام ثمرات وكل ثمرة فلها صفة وحقيقة في نفسها ولها مثمر ومستثمر وطريق في الاستثمار. والثمرة هي الأحكام , أعني الوجوب والحظر والندب والكراهة والإباحة والحسن والقبح والقضاء والأداء والصحة والفساد وغيرها والمثمر هي الأدلة , وهي ثلاثة الكتاب والسنة والإجماع فقط. وطرق الاستثمار هي وجوه دلالة الأدلة وهي أربعة , إذ الأقوال إما أن تدل على الشيء بصيغتها ومنظومها , أو بفحواها ومفهومها وباقتضائها وضرورتها أو بمعقولها ومعناها المستنبط منها.

والمستثمر هو المجتهد , ولا بد من معرفة صفاته وشروطه وأحكامه. فإذا جملة الأصول تدور على أربعة أقطاب: القطب الأول: في الأحكام , والبداءة بها أولى لأنها الثمرة المطلوبة. القطب الثاني: في الأدلة , وهي الكتاب والسنة والإجماع وبها التثنية إذ بعد الفراغ من معرفة الثمرة لا أهم من معرفة المثمر. القطب الثالث: في طريق الاستثمار , وهو وجوه دلالة الأدلة , وهي أربعة: دلالة بالمنظوم , ودلالة بالمفهوم , ودلالة بالضرورة والاقتضاء , ودلالة بالمعنى المعقول. القطب الرابع: في المستثمر وهو المجتهد الذي يحكم بظنه , ويقابله المقلد الذي يلزمه اتباعه , فيجب ذكر شروط المقلد والمجتهد وصفاتهما. ) [4]

المناظرة في الأحكام من طرق تكوين ملكة الاجتهاد:

يقول الآمدي: (فائدة المناظرة غير منحصرة فيما ذكروه بل لها فوائد أخر تجب المناظرة لها أو تستحب فالأولى كالمناظرة لتعرف انتفاء الدليل القاطع الذي لا يجوز معه الاجتهاد أو لطلب تعرف الترجيح عند تساوي الدليلين في نظر المجتهد حتى يجزم بالنفي أو الإثبات أو يحل له الوقف أو التخيير لكونه مشروطا بعدم الترجيح والثانية كالمناظرة التي يطلب بها تذليل طرق الاجتهاد والقوة على استثمار الأحكام من الأدلة واستنباطها منها وشحذ الخاطر وتنبيه المستمعين على مدارك الأحكام ومآخذها لتحريك دواعيهم إلى طلب رتبة الاجتهاد لنيل الثواب الجزيل وحفظ قواعد الشريعة) [5]

المراد من آيات الأحكام الامتثال والانقياد:

فإذا كان مقصود آيات القصص والوعظ: الاعتبار وتعميق آثار الإيمان، فمقصود آيات الأحكام العمل والامتثال والانقياد، يقول ابن العربي في أحكامه: (فَمَا كَانَ مِنْ آيَاتِ الِازْدِجَارِ وَذِكْرِ الِاعْتِبَارِ فَفَائِدَتُهُ الْوَعْظُ , وَمَا كَانَ مِنْ آيَاتِ الْأَحْكَامِ فَالْمُرَادُ بِهِ الِامْتِثَالُ لَهُ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنه: قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ} فَنَبِيُّنَا صلى الله عليه وسلم مِمَّنْ أُمِرَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِم) [6]

لا لعب في أحكام الشرع:

يقول صاحب المبسوط: (والمراد بالآيات في قوله تعالى {ولا تتخذوا آيات الله هزوا} الأحكام , والهزء اللعب ففيه بيان أنه لا لعب في أحكام الشرع) [7]

الأحكام تنبئ على فعل العباد تحقيقا لمعنى الابتلاء:

يقول الزيلعي: (ولو باع الفضة , أو الذهب بجنسه مجازفة , ثم علما تساويهما قبل الافتراق صح وبعده لا يصح. وقال زفر يصح ; لأن التساوي حق الشرع وقد وجد حالة العقد، قلنا التسوية شرط واجب علينا فيجب تحصيله بفعلنا أما وجوده في علم الله تعالى لا يصلح شرطا للجواز ; لأن الأحكام تنبئ على فعل العباد تحقيقا لمعنى الابتلاء. ) [8]

الأصل في الأحكام أن تعم النبي - صلى الله عليه وسلم - وغيره إلا ما خصه الدليل:

(1) شرح النووي على صحيح مسلم ج: 2 ص: 33

(2) فتح الباري ج: 1 ص: 161

(3) التعاريف ج: 1 ص: 646

(4) المستصفى: ج1 ص 7

(5) الإحكام للآمدي ج: 4 ص: 197

(6) أحكام القرآن لابن العربي ج1 ص 39

(7) المبسوط للسرخسي ج 7 ص 61

(8) فخر الدين عثمان بن علي الزيلعي الحنفي (ت 743هـ) "تبيين الحقائق شرح كنز الدقائق"ج 4 ص 136 - دار الكتاب الإسلامي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت