فهرس الكتاب

الصفحة 491 من 979

وكما يلاحظ في قول ابن عيينة وغيره فقد ميز العلماء بهذا الميزان حتى داخل روايات الراوي الواحد، يقبلون عنه مرة ويرفضون عنه أخرى، وممن اشتهر فعلهم معه في ذلك أحاديث ابن اسحاق والتي تنحط عندهم عن رتبة الصحة في مجال الأحكام بينما هي حجة في المغازي، يقول ابن القيم في حديث: (وأما الحديث فإنه انفرد به محمد بن إسحاق وليس هو ممن يحتج به في الأحكام) [1]

وقال ابن حجر أيضا في رواية: (وقد أخرجها أبو داود وفي إسنادها ابن إسحاق وهو حجة في المغازي لا في الأحكام إذا خالف) [2] وبين صاحب"سير أعلام النبلاء"بعض أسباب هذا الإعراض بقوله: (وقد أمسك عن الاحتجاج بروايات ابن إسحاق غير واحد من العلماء لأشياء منها تشيعه، ونسب إلى القدر، ويدلس في حديثه فأما الصدق فليس بمدفوع عنه وقال البخاري: رأيت علي بن عبد الله يحتج بحديث ابن إسحاق، وذكر عن سفيان أنه ما رأى أحدا يتهمه، قال: وقال إبراهيم بن المنذر: حدثنا عمر بن عثمان أن الزهري كان تلقف المغازي من ابن إسحاق فيما يحدثه عن عاصم بن عمر والذي يذكر عن مالك في ابن إسحاق لا يكاد يتبين) [3]

وقد ثار ابن حزم على هذا التمييز بين روايات الشخص الواحد والتفريق فيها بين الرقائق والأحكام، وكذا التمييز بين عدل وآخر، يقول:(قال علي ومما غلط فيه بعض أصحاب الحديث أنه قال فلان يحتمل في الرقائق ولا يحتمل في الأحكام قال أبو محمد وهذا باطل لأنه تقسيم فاسد لا برهان عليه بل البرهان يبطله وذلك أنه لا يخلو كل أحد في الأرض من أن يكون فاسقا أو غير فاسق فإن كان غير فاسق كان عدلا ولا سبيل إلى مرتبة ثالثة.

فالعدل ينقسم إلى قسمين فقيه وغير فقيه، فالفقيه العدل مقبول في كل شيء والفاسق لا يحتمل في شيء والعدل غير الحافظ لا تقبل نذارته خاصة في شيء من الأشياء لأن شرط القبول الذي نص الله تعالى عليه ليس موجودا فيه ومن كان عدلا في بعض نقله فهو عدل في سائره ومن المحال أن يجوز قبول بعض خبره ولا يجوز قبول سائره إلا بنص من الله تعالى أو إجماع في التفريق بين ذلك وإلا فهو تحكم بلا برهان وقول بلا علم وذلك لا يحل) [4]

وقال في المسألة الثانية: (قال علي وقد غلط أيضا قوم آخرون منهم فقالوا فلان أعدل من فلان وراموا بذلك ترجيح خبر الأعدل على من هو دونه في العدالة قال علي وهذا خطأ شديد) ثم استدل ببطلان هذا المذهب بعدم تفريق الله عز وجل بين خبر عدل وخبر عدل آخر أعدل من ذلك، وإنما أمر تعالى بقبول نذارة النافر الفقيه العدل فقط وبقبول شهادة العدول فقط من غير زيادة على ذلك، واستدل أيضا بأن الأقل عدالة قد يعلم ما لا يعلمه من هو أتم منه عدالة ومثل لذلك بعدم اطلاع

(1) ابن القيم"حاشية ابن القيم على سنن أبي داود"ج: 1 ص: 19 دار الكتب العلمية-بيروت-1415 - ط: 2 -

(2) فتح الباري ج: 4 ص: 17

(3) سير أعلام النبلاء ج: 7 ص: 39

(4) الإحكام لابن حزم ج: 1 ص: 133

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت