من القضايا المشتركة بين آيات وأحاديث الأحكام، اختلاف الفقهاء في فهم نصوصها، أو عدم إعمالها والأخذ بها، ولاتساع القول في الجانب الأول نرجئ الحديث فيه إلى المبحث الخاص بتعلم دلالات الألفاظ، أما المسألة الثانية، فيمكن الحديث فيها من خلال النقط التالية:
أ-عدم وجود نص في المسألة:
نجد في"البداية"نماذج عديدة، لآراء الفقهاء ومذاهبهم والتي أرجعها ابن رشد إلى عدم وجود نص من القرآن أو الحديث في المسألة:
ففي الطهارة في تفريق بعض العلماء بين الخرق الكثير واليسير في الخف، قال:
(هذه المسألة هي مسكوت عنها فلو كان فيها حكم مع عموم الابتلاء به لبينه صلى الله عليه وسلم وقد قال تعالى لتبين للناس ما نزل إليهم) [1]
وفي مسائل الحيض قال: (فهذه هي مشهورات المسائل التي في هذا الباب وهي بالجملة واقعة في أربعة مواضع أحدها معرفة انتقال الطهر إلى الحيض والثاني معرفة انتقال الحيض إلى الطهر والثالث معرفة انتقال الحيض إلى الاستحاضة والرابع معرفة انتقال الاستحاضة إلى الحيض وهو الذي وردت فيه الأحاديث وأما الثلاثة فمسكوت عنها أعني عن تحديدها وكذلك الأمر في انتقال النفاس إلى الاستحاضة) [2]
وفي الإمام الفاسق قال: (ومنهم من فرق بين أن يكون فسقه بتأويل أو يكون بغير تأويل مثل الذي يشرب النبيذ ويتأول أقوال أهل العراق فأجازوا الصلاة وراء المتأول ولم يجيزوها وراء غير المتأول وسبب اختلافهم في هذا أنه شيء مسكوت عنه في الشرع) [3]
واختلفوا متى يستحب أن يقام إلى الصلاة هل في أول الإقامة أوعند قوله: قد قامت الصلاة، فقال ابن رشد في هذا الخلاف: (وليس في هذا شرع مسموع إلا حديث أبي قتادة أنه قال عليه الصلاة والسلام إذا أقيمت الصلاة فلا تقوموا حتى تروني فإن صح هذا وجب العمل به وإلا فالمسألة باقية على أصلها المعفو عنه أعني أنه ليس فيها شرع وأنه متى قام كل فحسن) [4]
وفي فريضة الجمعة اختلفوا هل من شرط المسجد الذي تقام فيه السقف أم لا؟ وهل من شرطه أن تكون الجمعة راتبة فيه أم لا؟ قال ابن رشد: (وهذا كله لعله تعمق في هذا الباب ودين الله يسر ولقائل أن يقول إن هذه لو كانت شروطا في صحة الصلاة لما جاز أن يسكت عنها عليه الصلاة والسلام) [5]
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 14
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 40
(3) بداية المجتهد ج: 1 ص: 105
(4) بداية المجتهد ج: 1 ص: 108 - 109
(5) بداية المجتهد ج: 1 ص: 116