لا تخفى أهمية تعلم الإجماع لطالب الفقه والسائر على درب الاجتهاد فهو نصف العلم. يقول الإمام الشافعي في رسالته: (العلم وجهان: الإجماع والاختلاف [1] (وقد أولى ابن رشد للإجماع عناية خاصة فاعتبره من الأصول التي ينبغي لطالب الاجتهاد العناية بها، وهو من مقاصد الكتاب بل هو على رأس أغراضه.
يقول: (فإن غرضي في هذا الكتاب أن أثبت فيه لنفسي على جهة التذكرة من مسائل الأحكام المتفق عليها والمختلف فيها بأدلتها( ... ) ما يجري مجرى الأصول والقواعد لما عسى أن يرد على المجتهد من المسائل المسكوت عنها في الشرع) [2]
مفهوم الإجماع عند ابن رشد:
لم يعرف ابن رشد الإجماع في المقدمة الأصولية التي عقدها في مطلع"البداية"وكأنه اكتفى بما عرفه به في كتابه"الضروري"والذي جاء فيه أن: (الإجماع هو اتفاق المجتهدين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم على حكم شرعي) [3]
ويلاحظ أن تعريفه هنا أكثر ضبطا ومناسبة للمجال الفقهي من التعريف الذي ساقه في كتابه"مختصر المنطق"حيث قال عنه بأنه: (اتفاق أهل الملة وتواطؤهم على أمر في الملة) [4] وهذا الأخير قريب من تعريف الغزالي في"المستصفى"والذي جعله يعم الأمور الدينية بما فيها الاعتقاد وأخبار الأنبياء وغيرها، ويشمل اتفاق الأمة كلها بعلمائها وأميييها، ومن لم تتوفر فيه شروط الاجتهاد. يقول عنه: (اتفاق أمة محمد صلى الله عليه وسلم خاصة على أمر من الأمور الدينية) [5]
فابن رشد اختار القول الثاني من آراء الأصوليين في الإجماع لما كان بصدد الفقه واختار الأول في كتاب المنطق لما كان في مجال أعم. يقول ابن العربي في"محصوله"في مطلع كتاب الإجماع: (واختلف الناس فيه فمنهم من قال صورته: أن يتفق أهل العصر بأجمعهم عامتهم وخاصتهم علمائهم وجهالهم وقيل صورته: أن يتفق أهل العلم والحل والعقد [6]
وفات ابن رشد أن يضبط أكثر في تعريفه، زمان وعصر المجتهدين بما أورده هو نفسه بعد ذلك في الشرح، إذ لو بقي الإجماع مفتوحا على جميع أهل الأعصار، (من سلف منهم ومن هو حاضر ومن سيأتي، لم يقع إجماعا) [7]
ثم بين طبيعة ما يقع حوله الإجماع سواء في ذلك أكان الحكم مما صرح به الشارع فلم ينقل إلينا، أو لم يصرح به أصلا، فوقع الإجماع على أمر لقرينة حال أو دليل أو غير ذلك مما يوجب الاتفاق.
(1) الرسالة ج: 1 ص 40
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 1
(3) الضروري: ص: 90
(4) جمال الدين العلوي"هامش الضروري"ص: 91
(5) المستصفى ص: 137
(6) وهو قول الغزالي في"المنخول في تعليقات الأصول"ج: 1ص: 303 تحقيق: محمد حسن هيتو دار الفكر- دمشق- 1400
(7) الضروري: ص: 92