ولا يعتبر ابن رشد الإجماع في"بداية المجتهد"أصلا مستقلا من غير استناد إلى لفظ الكتاب أو السنة أو فعل النبي صلى الله عليه وسلم أو إقراره أو القياس لمن يعتمده. وعمم في"الضروري"بذكر قرينة الحال أو دليل أو غيره مما يوجب الاتفاق. لأن غياب ذلك المستند في نظره يقضي إثبات شرع زائد بعد النبي صلى الله عليه وسلم إذ كان لا يرجع إلى أصل من الأصول الشرعية [1] .
وأما عن حجية الإجماع عنده فحاصلة بالكتاب والسنة، بحيث تفيد مجموع النصوص الواردة حجيته على وجه القطع، وكنوع من التواتر المعنوي بخصوص الأحاديث، الأمر الذي يؤكد كون الإجماع دليلا شرعيا. واستبعد الاستدلال عليه بالعقل لأنه غير بعيد اجتماع الناس على خطأ.
ويرى ابن رشد أن الشروط الموضوعة للإجماع يشبه أن تكون اجتهادية. وأننا نعرف الإجماع إما بلقاء المجمعين إن كانوا معاصرين لنا أوبالنقل المستفيض الذي يوقع التصديق إن كانوا ممن سلف [2] .
ويجوز عند ابن رشد انعقاد الإجماع بالإثنين والثلاثة إن كانوا ممن بقي من أهل الاجتهاد في وقت ما، بحيث ينطلق عليهم اسم الأمة لشهادة الشرع لهم بالعصمة. ولا يهم عددهم وإنما يندرج في الإجماع المعتبر جميع من وجد منهم في ذلك الزمان. وأما إجماع العوام فليس بأصل يستعمله المجتهد، غير أنه لا يمتنع تسميته إجماعا على سبيل التبعية للمجتهدين ويتصور دخولهم فيما ينقل بالتواتر كالصلوات والصوم والزكاة.
وقد رجح ابن رشد رأي الشافعي في الإجماع السكوتي أي عندما ينقل عن أكثرهم رأي ويسكت الباقون. فقال: (والأظهر كما يقول الشافعي ألا ينسب إلى ساكت قول قائل، اللهم إلا أن يعلم من قرائن أحوال الساكتين أن سكوتهم ربما كان رضى منهم بالقول واتفاقا عليه) [3] .
وبخصوص ما ينبغي أن يعرفه المجتهد من الإجماع: فجميع المسائل المجمع عليها، وقد يكفيه أن يعلم أن قوله في المسألة التي يفتي فيها ليس هو مخالفا للإجماع بأن قوله يوافق قول قائل [4] .
الإجماع في"بداية المجتهد":
التزم ابن رشد في كتابه أن يورد ويبدأ بالمسائل المتفق عليها، وبعد تتبعها وجدت أن مجمل القضايا المجمع عليها يصل عددها إلى 1034 مسألة، ويبقى هذا الإحصاء نسبيا لاحتمال الاختلاف فيه من جهة الإجمال أو التفصيل أو الأخذ بعين الاعتبار بعض الشذوذ الواقع في المسألة أو عدم الأخذ به، فمثلا يمكن أن يعتبر
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 3
(2) يقول صاحب البحر المحيط: (قال الأستاذ أبو إسحاق: لا يوجب على المجتهد طلب الدليل الذي وقع الإجماع به , فإن ظهر له ذلك أو نقل إليه كان أحد أدلة المسألة. وقال أبو الحسن السهيلي: إذا أجمعوا على حكم , ولم يعلم أنهم أجمعوا عليه من دلالة آية أو قياس أو غيره فإنه يجب المصير إليه , لأنهم لا يجمعون إلا عن دلالة , ولا يجب معرفتها. ) ج: 6 ص: 402
(3) الضروري ص: 93
(4) الضروري: ص: 138