يقول ابن رشد في معرض تفصيل بعض مسائل القياس [1] : ) وليس قصدنا في هذا الكتاب في الأكثر ذكر الخلاف الذي يوجبه القياس، كما ليس قصدنا ذكر المسائل المسكوت عنها في الشرع إلا في الأقل. وذلك إما من حيث هي مشهورة وأصل لغيرها وإما من حيث هي كثيرة الوقوع [2] فرغم أن القياس لم يورده ابن رشد بالقصد وإنما بالتبع، الأمر الذي يفيد عدم الاستقصاء والتفصيل فإن طالب الاجتهاد يعود - من غير شك- بقسط وافر من الفهم والضوابط وكيفية إعماله لهذه الأداة المنهجية العظيمة في الشرع.
ذلك أن القياس كما قال الإمام الأسنوي (قاعدة الاجتهاد والموصل إلى الأحكام التي لا حصر لها) [3] ، بل هو الاجتهاد من باب إطلاق الكل على أهم جزء فيه، جاء في الرسالة للإمام الشافعي: (قال: فما القياس أهو الاجتهاد أم هما متفرقان؟ قلت: هما اسمان لمعنى واحد. قال: فما جماعهما؟ قلت: كل ما نزل بمسلم ففيه حكم لازم أو على سبيل الحق، فيه دلالة موجودة. وعليه -إذا كان فيه حكم- اتباعه. وإذا لم يكن فيه بعينه طلب الدلالة على سبيل الحق فيه بالاجتهاد، والاجتهاد: القياس) [4] وقال عنه صاحب"البرهان"بأنه أحق الأصول بالاعتناء ومن أحاط به (فقد احتوى على مجامع الفقه) [5]
وفي مقدمة حديثه عن القياس قال: (القياس مناط الاجتهاد وأصل الرأي ومنه يتشعب الفقه وأساليب الشريعة وهو المفضي إلى الاستقلال بتفاصيل أحكام الوقائع مع انتفاء الغاية والنهاية. فإن نصوص الكتاب والسنة محصورة مقصورة ومواقع الإجماع معدودة مأثورة فما ينقل منهما تواترا فهو المستند إلى القطع وهو معوز قليل وما ينقله الآحاد عن علماء الأعصار ينزل منزلة أخبار الآحاد وهي على الجملة متناهية ونحن نعلم قطعا أن الوقائع التي يتوقع وقوعها لا نهاية لها) [6]
(1) قال الشوكاني في إرشاد الفحول عن القياس: (في اللغة تقدير على مثال شيء اخر وتسويته به ولذلك سمي المكيال مقياسا وما يقدر به النعال مقياسا ويقال فلان لا يقاس بفلان أي لا يساويه وقيل هو مصدر قست الشيء اذا اعتبرته اقيسه قيسا وقياسا) ج: 1 ص: 337 تحقيق محمد سعيد البدري دار الفكر - بيروت -سنة النشر:: 1412 - 1992الطبعة:: الأولى عدد الأجزاء:: 1
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 140 - 141
(3) يوسف القرضاوي"الا جتهاد في الشريعة الاسلامية"ص40.
(4) الرسالة: ص: 477 وقال في"الأم": (( قال الشافعي) : والعلم من وجهين اتباع , أو استنباط والاتباع اتباع كتاب فإن لم يكن فسنة فإن لم تكن فقول عامة من سلفنا لا نعلم له مخالفا , فإن لم يكن فقياس على كتاب الله عز وجل , فإن لم يكن فقياس على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فإن لم يكن فقياس على قول عامة من سلف لا مخالف له ولا يجوز القول إلا بالقياس) ج: 1 ص: 179
(5) الا مام الجويني البرهان ج2/ 743.
(6) البرهان: ج: 2 ص: 485