فجعل الكلب العقور من هذه الناحية عاما يراد به الخاص والذي هو عنده ما يتحقق فيه العدو والافتراس. ومن لا يرى التعليل في النص أصلا يقف عند لفظه فيقول بقتل الكلب العقور كبيرا كان أم صغيرا كما لا يتعدى إلى غيره.
يقول ابن رشد:(واختلفوا هل هذا باب من العام أريد به الخاص أو باب من الخاص أريد به العام والذين قالوا هو من باب الخاص أريد به العام اختلفوا في أي عام أريد بذلك فقال مالك الكلب العقور الوارد في الحديث إشارة إلى كل سبع عاد وأن ما ليس بعاد من السباع فليس للمحرم قتله ولم ير قتل صغارها التي لا تعدو ولا ما كان منها أيضا لا يعدو.
ولا خلاف بينهم في قتل الحية والأفعى والأسود وهو مروي عن النبي عليه الصلاة والسلام من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم تقتل الأفعى والأسود، وقال مالك لا أرى قتل الوزغ، والأخبار بقتلها متواترة لكن مطلقا لا في الحرم ولذلك توقف فيها مالك في الحرم. وقال أبو حنيفة لا يقتل من الكلاب العقورة إلا الكلب الإنسي والذئب وشذت طائفة فقالت لا يقتل إلا الغراب الأبقع، وقال الشافعي كل محرم الأكل فهو معني في الخمس.
وعمدة الشافعي أنه إنما حرم على المحرم ما أحل للحلال، وأن المباحة الأكل لا يجوز قتلها بإجماع، لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن صيد البهائم وأما أبو حنيفة فلم يفهم من اسم الكلب الإنسي فقط بل من معناه كل ذئب وحشي ... واختلفوا في الزنبور فبعضهم شبهه بالعقرب وبعضهم رأى أنه أضعف نكاية من العقرب وبالجملة فالمنصوص عليها تتضمن أنواعا من الفساد فمن رأى أنه من باب الخاص أريد به العام ألحق بواحد واحد منها ما يشبهه إن كان له شبه ومن لم ير ذلك قصر النهي على المنطوق به) [1]
ومثاله أيضا قوله:(وأما النجاسة تخالط الحلال فالأصل فيه الحديث المشهور من حديث أبي هريرة وميمونة أنه سئل عليه الصلاة والسلام عن الفأرة تقع في السمن فقال إن كان جامدا فاطرحوها وما حولها وكلوا الباقي وإن كان ذائبا فأريقوه أو لا تقربوه. وللعلماء في النجاسة تخالط المطعومات الحلال مذهبان أحدهما من يعتبر في التحريم المخالطة فقط وإن لم يتغير للطعام لون ولا رائحة ولا طعم من قبل النجاسة التي خالطته وهو المشهور والذي عليه الجمهور والثاني مذهب من يعتبر في ذلك التغير وهو قول أهل الظاهر ورواية عن مالك.
وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم الحديث وذلك أن منهم من جعله من باب الخاص أريد به الخاص وهم أهل الظاهر فقالوا هذا الحديث يمر على ظاهره وسائر الأشياء يعتبر فيها تغيرها بالنجاسة أو لا تغيرها بها. ومنهم من جعله من باب الخاص أريد به العام وهم الجمهور فقالوا المفهوم منه أن بنفس مخالطة النجس ينجس الحلال، إلا أنه لم يتعلل لهم الفرق بين أن يكون جامدا أو ذائبا لوجود المخالطة في هاتين الحالتين وإن كانت في إحدى الحالتين أكثر أعني في حالة الذوبان ويجب على هذا أن يفرق بين المخالطة القليلة والكثيرة فلما لم يفرقوا بينهما فكأنهم اقتصروا من بعض الحديث على ظاهره ومن بعضه على القياس عليه ولذلك أقرته الظاهرية كله على ظاهره) [2]
ولم أجد -فيما اطلعت عليه-من استخدم هذا المعنى للقياس غير الرازي (ت606هـ) في"المحصول"حيث يقول: (وثالثها أن يعرف مجرد اللفظ إن كان مجردا، وقرينته إن كان مع قرينة. لأنا لو لم نعرف ذلك لجوزنا في المجرد أن تكون معه قرينة تصرفه عن ظاهره، ثم القرينة: قد تكون عقلية وقد تكون سمعية، أما القرينة العقلية فإنها تبين ما يجوز أن يراد باللفظ مما لا يجوز، وأما السمعية فهي الأدلة التي تقتضي تخصيص العموم في الأعيان وهو المسمى بالتخصيص أو في الأزمان وهو النسخ والذي يقتضي تعميم الخاص وهو القياس) [3]
ووجدت قريبا من هذا المعنى عند بعض المتأخرين مثل ابن تيمية (ت728هـ) حيث يقول في حديثه عن العموم: (يجب أن يميز ما عم بطريق الوضع اللغوي، وما عم بطريق الوضع العرفي، وما عم بطريق الفحوى الخطابي وما عم بطريق المعنى القياسي( ... ) ويظهر الفرق بين العموم العرفي، والفحوى: أنا في الفحوى نقول: فهم المنطوق من المسكوت، إذ اللازم تابع. وفى العموم نقول: فهم الجميع من اللفظ كأفراد العام فعلى هذا يكون من باب نقل الخاص إلى العام وعلى الأول يكون من باب استعمال الخاص وإرادة العام) [4]
كما للشافعي قبلهم جميعا كلام في التمييز بين العام والقياس حيث يقول: (القياس الجائز أن يشبه مالم يأت فيه حديث بحديث لازم فأما أن تعمد إلى حديث والحديث عام فتحمله على أن يقاس، فما للقياس ولهذا الموضع؟ ) [5]
أوجه استعمال ابن رشد للقياس:
وقد استخدم ابن رشد القياس في"البداية"بالمعنى العام، والمعنى الاصطلاحي الخاص ومن ذلك:
القياس بمعناه اللغوي العام:
استعمل ابن رشد القياس بالمعنى القريب من أصوله اللغوية أي إجراء المقارنة والمقايسة بين ظواهر النصوص، مثل قوله:
(وكذلك فرض المجتهد هاهنا إذا انتهى بنظره إلى مثل هذا الموضع أن يوازن بين الظاهرين فما ترجح عنده منهما على صاحبه عمل عليه. وأعني بالظاهرين أن
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 266
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 341 - 342
(3) محمد بن عمر بن الحسين الرازي (ت 606) المحصول في علم الأصول ج: 6 ص 32 تحقيق: طه جابر فياض العلواني-جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية- الرياض- 1400 - الطبعة: الأولى-عدد الأجزاء: 5
(4) أحمد بن عبد الحليم آل تيمية"المسودة في أصول الفقه"ص: 155 - 156 تحقيق محمد محيى الدين عبد الحميد دار النشر:: المدني مدينة النشر:: القاهرة عدد الأجزاء:: 1
(5) الأم: ج: 5 ص: 169