على القرائن) [1] ثم بين أن من ذلك ما يكون بينا بنفسه بشكل قطعي مثل قوله تعالى: {فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ} (الإسراء: من الآية23) وقوله - صلى الله عليه وسلم: (أدوا الخائط والمخيط .. ) ومنه ما يغلب في الظن معناه وإن لم يصل درجة القطع مثل: النهي عن دخول المسجد بريح الثوم أو النهي عن الشرب في آنية الفضة، ومنه ما ليس بينا في نفسه كنهيه - صلى الله عليه وسلم - عن بيع البر بالبر وباقي الأصناف الأربعة المذكورة، ولهذا حمله بعضهم على المقتات وآخرون على المطعوم وغيرهم على المكيل [2] وقال في موضع آخر عن هذا الصنف الأخير الذي تبعد فيه القرينة وتضعف فيه الظنون (وهي بالجملة فيما يظهر لي أبعد قرينة يصار إليها إلى أن يفهم عن اللفظ الجزئي المعنى الكلي، ولهذا كثير من الناس اقتصر بمثل هذا الحديث على مقتضى اللفظ) [3]
فالقياس عنده كما يستعمله القائلون به يكاد جميعه يدخل في دلالة الألفاظ من باب الخاص يراد به العام فهو في واقع الأمر (تصحيح إبدال الألفاظ في مكان مكان ونازلة نازلة) [4] وحتى ما يبدو بعيدا في القرينة أو يسمى قياسا مخيلا ومناسبا أو قياس شبه، فالقرائن في هذه الأنواع (تدل عندهم على إبدال الألفاظ، وليست أقيسة) [5] ويقصد العقلية منها بمعنى استنباط مطلب مجهول من مقدمات معقولة.
وقد مثل في"البداية"للخاص يراد به العام بقوله: (وأما الشافعي فاستثنى الكلب من الحيوان الحي ورأى أن ظاهر هذا الحديث يوجب نجاسة سؤره وأن لعابه هو النجس لا عينه فيما أحسب وأنه يجب أن يغسل الصيد منه وكذلك استثنى الخنزير لمكان الآية المذكورة، وأما أبو حنيفة فإنه زعم أن المفهوم من تلك الآثار الواردة بنجاسة الخنزير والهر والكلب هو من قبل تحريم لحومها وأن هذا من باب الخاص أريد به العام. فقال الأسآر تابعة للحوم الحيوان وأما بعض الناس فاستثنى من ذلك الكلب والهر والسباع على ظاهر الأحاديث الواردة في ذلك) [6]
وكذا عند قوله في مسألة النجاسة تخالط الحلال: (وسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم الحديث وذلك أن منهم من جعله من باب الخاص أريد به الخاص وهم أهل الظاهر فقالوا هذا الحديث يمر على ظاهره وسائر الأشياء يعتبر فيها تغيرها بالنجاسة أو لا تغيرها بها ومنهم من جعله من باب الخاص أريد به العام وهم الجمهور) [7]
ومثاله أيضا: تجويز الحديث قتل الكلب العقور في الحرم، فمن رأى ذلك من باب الخاص يراد به العام أجاز قتل ما اعتبره في حكمه من جهة العدو والافتراس كالسبع وغيره ولم ير بالتالي قتل صغارها أو التي لا تعدو بسبب من الأسباب
(1) الضروري: ص: 117
(2) الضروري: ص: 117 - 118
(3) الضروري: ص: 129
(4) الضروري: ص: 130
(5) الضروري: ص: 130
(6) بداية المجتهد ج: 1 ص: 21
(7) بداية المجتهد ج: 1 ص: 342