لم يكن من غرض ابن رشد في الكتاب استقصاء القضايا الاستحسانية، فهو يقول: (ومن هذا النوع اختلافهم في زكاة المال الموهوب وفي بعض هذه المسائل التي ذكرنا تفصيل في المذهب لم نر أن نتعرض له إذ كان غير موافق لغرضنا مع أنه يعسر فيها إعطاء أسباب تلك الفروق لأنها أكثرها استحسانية مثل تفصيلهم الديون التي تزكى من التي لا تزكى والديون المسقطة للزكاة من التي لا تسقطها) [1] ومع هذا التوضيح من ابن رشد يمكن الوقوف على بعض ملامح وصور هذه الأداة الاجتهادية.
مفهوم الاستحسان [2] :
يقول ابن رشد: (ومعنى الاستحسان في أكثر الأحوال هو الالتفات إلى المصلحة والعدل) [3]
ويقول أيضا: (وقد اختلفوا في معنى الاستحسان الذي يذهب إليه مالك كثيرا فضعفه قوم وقالوا إنه مثل استحسان أبي حنيفة، وحددوا الاستحسان بأنه: قول بغير دليل [4] ، ومعنى الاستحسان عند مالك هو جمع بين الأدلة المتعارضة وإذا كان ذلك كذلك فليس هو قول بغير دليل. ) [5]
فالاستحسان حسب ابن رشد قد يقصد به جملة من المعاني:
فإما هو اجتهاد يلتفت فيه إلى المصلحة والعدل، وإما جمع بين الأدلة المتعارضة أو هو قول بغير دليل.
ولعله في توجهه هذا يكون قد خرج بمفهوم الاستحسان من الإطار الفلسفي النظري كما هو عند متكلمي السنة والمعتزلة إلى دائرة الاستعمال الفقهي الأصولي وكما يمارس عمليا من طرف المجتهدين [6] .
(1) بداية المجتهد ج: 1 ص: 182
(2) وهو في اللغة استفعال من الحسن أي ضد القبح وهو اعتقاد أو ظن أن شيئاً ما أمر حسن.
(3) بداية المجتهد ج: 2 ص: 140
(4) ولعل هذا مما يرميهم بهم خصومهم، فهذا أحد أعلامهم وهو أبو الحسن الكرخي يقول: (الاستحسان العدول بحكم المسألة عن حكم نظائرها بدليل يخصها) أبو إسحاق إبراهيم بن علي بن يوسف الفيروزآبادي الشيرازي (ت 476)
"التبصرة في أصول الفقه"- تحقيق د. محمد حسن هيتو- دار الفكر- دمشق- 1403 - الطبعة:: الأولى
(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 209
(6) أشار في"الضروري" (ص: 41 - 42) في مبحث الحكم إلى مسألة الحسن والقبح والخلاف الواقع بين المتكلمين من أهل السنة والمعتزلة في ذلك، مؤكدا أن المسألة وإن لم تكن من صلب علم أصول الفقه، إلا أن أثر الاختلاف فيها ينعكس عند النظر في القياس المناسب والمخيل وجميع أنواعه، وعند النظر في تصويب المجتهدين وتخطئتهم. فعرض لرأي متكلمي السنة الذين يرون أن الحسن والقبح ليس ذاتيا في الأفعال وإنما هو: إما أن يكون مما يوافق غرض المستحسن أو يخالفه. حتى يستحسن سمرة اللون مثلا واحد ويستقبحها آخر. وهذا أمر إضافى لا كالسواد والبياض الموجودين للأشياء بذاتها.
وإما أن يكون مما حسنه الشرع أو قبحه.
أو ما كان للإنسان مباحا فعله. وكل هذه أوصاف إضافية لا ذاتية. فيكون الحكم عندهم عبارة عن خطاب الشرع إذا تعلق بأفعال المكلفين بطلب أو ترك فإذا لم يرد هذا الخطاب لم تتعلق بالأفعال صفة تحسين أو تقبيح.
أما المعتزلة فذهبوا إلى أن الحسن والقبيح وصف ذاتي للأفعال، باتفاق العقل على القول بهما من غير إضافة كحسن الصدق وقبح الكذب.
وبعد استعراض حجج الفريقين يبدو أنه لم يجد فيها ما يكفي لترجيح أحدهما على الآخر. فانتهى لما يشبه رأيا ثالثا أقرب للتوفيق بينهما.
فرأيه أن هذه المسألة ليست من صلب علم الأصول فلا ينبغي إشغال الفقهاء بها ولا العامة من باب أولى، ثم إن للعقل دورا في التسليم بالشرع من جهة المعجزة التي أيدته بالمعاينة لمن حضرها وبالخبر المتواتر لمن جاء بعد جيل الرسالة، دون أن يكون في ذلك تعنيت للعموم بوجوب النظر. ويكون بذلك تحسين الشرع تحسين ما بالعقل من جهة الأصول وكذلك التقبيح، باعتبار الشارع أعلم وأحكم. وبرد ابن رشد قول من يرى الحظر أصلا في الأفعال يكون قد مال إلى التحسين ما لم يرد في الشرع تقبيح لفعل من الأفعال.
والذي أراه أن مجمل هذا الكلام بعد ورود الشرع يبقى مجرد جدل في النظر، فقد حدد الشرع الحسن والقبيح من الأفعال وما سكت عنه وهو معقول المعنى فالحسن بحسب ما يظهر على ضوء نصوص الشرع ومقاصده حسن، والقبيح بحسب ذلك قبيح، وما كان غير معقول المعنى وقصد به التعبد المحض فالأصل عدم تحسينه لما فيه من الابتداع. والله أعلم.