مفهوم شرع من قبلنا:
يراد بشرع من قبلنا: الأحكام التى شرعها الله تعالى للأمم السابقة وجاء بها الأنبياء السابقون، وكلف بها من كانوا قبل الشريعة المحمدية كشريعة إبراهيم وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام. فيخرج من التعريف أصول العقائد المشتركة كما هي واردة قبل التحريف كالإيمان بالله - عز وجل - وملائكته واليوم الآخر والقدر خيره وشره وغيرها، كما يخرج ما أمرنا نحن وإياهم به باعتباره شريعة لنا.
حجيته:
ذكر ابن رشد هذا الأصل ضمن الأصول المختلف فيها حيث قال في"الضروري": (الأصول التي تستند إليها هذه الأحكام وعنها تستنبط.، وهي أربعة: الكتاب، والسنة، وإجماع الأمة، ودليل العقل على النفي الأصلي( ... ) فأما قول الصحابة وشريعة من قبلنا فمختلف فيه) [1] ويقول في"البداية": (والخلاف في هل يلزمنا شرع من قبلنا مشهور) [2]
ثم بين موقفه منه بقوله: (وقد يظن أن ههنا أصولا غير هذه نحن ذاكروها( ... ) ومنها شرع من قبلنا , والدليل على أنه ليس بأصل أنه لو كان كذلك لكان نقله من فروض الكفايات ويستحيل على الأمة أن يذهب عليها في وقت ما فرض من فروض الكفايات بدليل العصمة لهم, ولو كان فرضا من فروض الكفايات لأخبر به الصحابة ونقل إلى اليوم. فأما ما منها في الكتاب ونحن مأمورون به فإنما نحن مأمورون به من جهة ما هو في الكتاب لا من جهة ما هو شرع من قبلنا. ) [3]
وقد ميز ابن رشد في هذا الأصل بين ما ورد من ذلك في القرآن وأمرت به الأمة، وبين ما نقل في غير القرآن. فجعل حكم الأول منها حكم القرآن. أما القسم الثاني فلا يظهر مقصود كلامه، حيث لم يشر إلى ما نقل من شرع من قبلنا بالسنة [4] ، إلا أن يكون مقصوده ما هو موجود من شرع من قبلنا ولم ينقل لنا بشكل تقوم به الحجة. أو أنه لم ينقل عن الصحابة أخذهم بهذا الأصل.
(1) الضروري: ص: 63
(2) بداية المجتهد ج: 1 ص: 312
(3) الضروري: ص: 97 - 98
(4) مثل حديث (أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أن رجلا رأى كلبا يأكل الثرى من العطش فأخذ الرجل خفه فجعل يغرف له به حتى أرواه فشكر الله له فأدخله الجنة) والرجل من بني إسرائيل، قال صاحب الفتح: (استدل به المصنف على طهارة سؤر الكلب لأن ظاهره أنه سقى الكلب فيه وتعقب بان الاستدلال به مبنى على أن شرع من قبلنا شرع لنا وفيه اختلاف) الفتح الباري: ج: 1ص: 278.
ومثاله أيضا حديث: أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: كانت بنو إسرائيل يغتسلون عراة ينظر بعضهم إلى بعض وكان موسى يغتسل وحده فقالوا والله ما يمنع موسى إلا أنه آدر فذهب مرة يغتسل فوضع ثوبه على حجر ففر الحجر بثوبه فخرج موسى في إثره يقول ثوبي يا حجر حتى نظرت بنو إسرائيل إلى موسى فقالوا والله ما بموسى من بأس وأخذ ثوبه فطفق بالحجر ضربا فقال أبو هريرة والله إنه لندب بالحجر ستة أو سبعة ضربا بالحجر ..
ومثله: عن أبي هريرة أيضا عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: بينا أيوب يغتسل عريانا فخر عليه جراد من ذهب فجعل أيوب يحتثي في ثوبه فناداه ربه يا أيوب ألم أكن أغنيتك عما ترى قال بلى وعزتك ولكن لا غنى بي عن بركتك. قال صاحب الفتح: (استدل المصنف على جواز التعري في الغسل بقصة موسى وأيوب عليهما السلام ووجه الدلالة منه على ما قال بن بطال أنهما ممن أمرنا بالاقتداء به وهذا إنما يأتي على رأى من يقول شرع من قبلنا شرع لنا) ج: 1 ص: 386
ومثاله أيضا حديث: (أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم ثم أن رجلا من بني إسرائيل سأل بعض بني إسرائيل بأن يسلفه ألف دينار فدفعها إليه فخرج في البحر فلم يجد مركبا فأخذ خشبة فنقرها فأدخل فيها ألف دينار فرمى بها في البحر فخرج الرجل الذي كان أسلفه فإذا بالخشبة فأخذها لأهله حطبا فذكر الحديث فلما نشرها وجد المال) قال صاحب الفتح: (فإذا قلنا إن شرع من قبلنا شرع لنا فيستفاد منه إباحة ما يلفظه البحر من مثل ذلك مما نشأ في البحر أو عطب فانقطع ملك صاحبه وكذلك ما لم يتقدم عليه ملك لأحد من باب الأولى) ج: 3 ص: 363