فيكون أقسام شرع من قبلنا:
1 -ما ورد في القرآن والسنة وأمرنا به.
2 -ما ورد في القرآن والسنة ناسخا شرع من قبلنا.
3 -ما ورد في القرآن والسنة ولم نؤمر به.
4 -ما لم يرد في القرآن والسنة وورد في كتبهم وحكم شرعنا ببطلانه أو تحريفه.
5 -ما لم يرد في القرآن والسنة وورد في كتبهم وسكت عنه شرعنا.
فابن رشد بعد أن استثنى القسم الأول مخرجا له من (شرع من قبلنا) وملحقا له بشرعنا، حكم بأنه ليس بأصل وبالتالي لا يعتبر حجة [1] . ولم يتناول بالحديث حجيته
(1) ساق أبو إسحاق الشيرازي (ت476 هـ) أدلة القائلين بحجيته كما يلي: شرع من قبلنا شرع لنا إلا ما ثبت نسخه وقال بعض أصحابنا شرع من قبلنا ليس بشرع لنا ومنهم من قال شرع إبراهيم خاصة شرع لنا وما سواه ليس بشرع لنا، لنا قوله تعالى: أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده، فإن قيل المراد به التوحيد والدليل عليه هو أنه أضافه إلى الجميع والذي يشترك الجميع فيه هو التوحيد فأما الأحكام فإن الشرائع فيها مختلفة فلا يمكن اتباع الجميع فيه قيل اللفظ عام في التوحيد وفي الأحكام فيجب أن يحمل على الجميع إلا ما خصه الدليل ولأن مجيء رسول الله مناف لما تقدم من الشرائع وكل شرع لم يرد عليه ما ينافيه وجب البقاء عليه والدليل عليه شريعة الرسول عليه السلام ولأنه يمكن الجمع بين ما جاء به الرسول عليه السلام وبين ما قبله وكل حكمين أمكن الجمع بينهما لم يصح إسقاط أحدهما وأصله كإيجاب الصوم والصلاة في شريعتنا ولأن الله تعالى حكى شرع من قبلنا ولو لم يقصد التسوية بيننا وبينهم لم يكن لذكرها فائدة.
واحتجوا بقوله تعالى لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا فدل على أن كل واحد منهم ينفرد بشرع لا يشاركه فيه غيره والجواب هو أن مشاركتهم في بعض الأحكام لا يمنع من أن يكون لكل واحد منهم شرع يخالف شرع الآخر كما أن مشاركتهم في التوحيد لا تمنع انفراد كل واحد منهم بشريعة تخالف شريعة غيره ... واحتجوا بما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى عمرا رضي الله عنه ومعه شيء من التوراة ينظر فيه فقال لو كان موسى حيا ما وسعه إلا اتباعي فدل على نسخ ما تقدم والجواب هو أنه إنما نهاه عن النظر في التوراة لأنه مبدل مغير وكلامنا فيما حكى الله عن دينهم في الكتاب أو ثبت عنهم بخبر الرسول عليه السلام ... قالوا ولأن الشرائع إنما شرعت لمصلحة المكلفين وربما كانت المصلحة لمن قبلنا في شيء والمصلحة لنا في غيره فلا يجوز إجراء حكمهم علينا قلنا فيجب أن تقولوا يقتضي هذا الدليل أن ما شرع للصحابة لا يكون شرعا للتابعين لأنه يجوز أن تكون المصلحة للصحابة في ذلك دون التابعين.
ولما بطل هذا بالإجماع بطل ما ذكروه وعلى أن الظاهر أن المصلحة لنا فيما شرع لهم إذ لو كانت المصلحة لنا في غيره لنسخ ذلك ولما لم ينسخ ذلك دل على أننا وهم في المصلحة سواء قالوا لو كان شرعا لنا لوجب اتباع أدلتهم وتتبع كتبهم كما يجب ذلك في شرعنا ولما لم يجب ذلك دل على أن شرعهم لا يلزمنا قلنا نحن إنما نجعل شرعهم شرعا لنا فيما ثبت بخبر الله تعالى وخبر رسوله عليه السلام واتباع ذلك واجب وتتبع ما يوصل إلى معرفته واجب فأما مالم يثبت فليس شرعا لنا فلا يلزمنا اتباعه والكشف عنه وربما قالوا لو كان شرعهم شرعا لوجب أن يعرف شرعهم أو معاني كلامهم لجواز أن يكون هنالك ما هو منسوخ أو مخصوص والجواب عنه أنه إنما يجب من شرعهم ما أخبر الله تعالى عنه وما أخبر الله تعالى عنه لفظه معروف والظاهر منسوخ ولا مخصوص فوجب العمل به قالو العبادات في شريعتهم مختلفة فلا يمكن اتباع الجميع فيها فسقطت قلنا إنما يجب المصير عندنا إلى مالم يثبت فيه اختلاف.
وأما ما اختلف في ذلك عمل بالمتأخر منهما كما يفعل ذلك في شرعنا قالوا ولأن كل شريعة من الشرائع مضافة إلى قوم وهذه الإضافة تمنع أن يكون غيرهم مشاركا لهم فيها قلنا ما أنكرتم أن يكون أضيف كل شرع من ذلك إلى قوم لأنهم أول من خوطبوا به فعرف الشرع بهم وأسند إليهم ويحتمل أن يكون أضيف كل شرع إلى قوم لأنهم متعبدون بجميعه وغيرهم يشاركهم في بعض الأحكام فلم يضف إليهم وإذا احتمل أن تكون الإضافة لما ذكرنا سقط التعلق به قالوا ولأنه لو كان النبي عليه السلام متعبدا بشريعة من قبلنا لوجب أن لا يقف الظهار والميراث لانتظار الوحي لأن هذه الحوادث أحكامها في التوراة ظاهرة قلنا إنما توقف لأن التوراة مغيرة مبدلة فلم يمكن الرجوع إلى ما فيها فانتظر الحكم من جهة الوحي وعلى أنه إن كان في بعض الأحكام توقف ففي بعضها عمل بما ثبت من شرع من قبله ألا ترى أنه صلى إلى بيت المقدس بشرع من قبله فسقط ما قالوا. التبصرة في أصول الفقه ص: 285 - 288