فهرس الكتاب

الصفحة 793 من 979

مفهوم الاستصحاب [1] :

يقول ابن رشد في"الضروري": (القول في الأصل الرابع وهو دليل العقل في استصحاب براءة الذمة عن الواجبات , وسقوط الحرج عن الخلق فيما لم يأت فيه أمر أو نهي , كسقوط الصلاة السادسة مثلا , وأكل شوال وما أشبه ذلك. ) [2] وفي موضع آخر يقول و: (بالجملة الحكم الشرعي الثابت بالنقل في موضع يظن أن المحكوم عليه قد تغير حكمه لتغيره في نفسه, كبيع أم الولد وما أشبه ذلك) [3] ولم يشر بالتعريف إلى هذا الأصل في"البداية"إلا ما كان من التلميح إلى بعض صوره كما هي عند أهل الظاهر والتي أنكرها غيرهم [4] حيث قال: (وأما ما سكت عنه الشارع من الأحكام، فقال الجمهور: إن طريق الوقوف عليه هو القياس. وقال أهل الظاهر: القياس في الشرع باطل. وما سكت عنه الشارع فلا حكم له) [5] .

فمن خلال هذه النصوص يفهم من الاستصحاب أن الذمم بريئة من التكليف حتى يرد ما يشغلها بالوجوب أو غيره، كما أن ما ثبت من أحكام يبقى كذلك حتى يرد الدليل على تغييرها أو رفعها. وأن ما لم يرد فيه نص فمعفو عنه وليس فيه حكم [6] بحسب أهل الظاهر [7] .

وهذه المعاني للاستصحاب باستثناء المعنى الأخير، ليست بعيدة عن تعريف الغزالي وغيره من العلماء، يقول صاحب المستصفى: الاستصحاب عبارة عن

(1) لغة: طلب المصاحبة، يقال: استصحب الشىء: لازمه، ويقال استصحبه الشىء: ساله أن يجعله في صحبته. (لسان العرب لابن منظور 4/ 2401 دار المعارف، المعجم الوسيط مجمع اللغة العربية 1/ 507 طبعة دار المعارف 1972م ط ثانية. )

(2) "الضروري": ص: 96

(3) "الضروري": ص: 96

(4) قال صاحب البحر المحيط: (وقال بعض المتأخرين من أصحابنا: استقرأت الاستصحاب الذي يحكم به الأصحاب فوجدت صورا كثيرة وإنما يستصحب فيها أمر وجودي , كمن تيقن الطهارة وشك في الحدث وعكسه. وأما استصحاب عدم الحكم فيه فلم أعرفه , وبراءة الذمة ونحوها من الأمور العدمية لا علم فيها. وإنما يمنع من الحكم بخلافها حتى يقوم دليل عليه. ) ج: 8 ص: 17

(5) بداية المجتهد ج: 1 ص: 1

(6) مثال ما لا حكم له قول الشافعي في الأم: (إن طلق ثلاثا بلسانه واستثنى في نفسه لزمه طلاق ثلاث ولم يكن له استثناء لأن الاستثناء حديث نفس لا حكم له في الدنيا. ) الأم: ج: 5 ص: 278 وقال ابن حزم في"المحلى": (من زاد عملا لا يجوز له ناسيا , وكان قد أوفى جميع عمله الذي أمر به , فإن هذا قد عمل ما أمر , وكان ما زاد بالنسيان لغوا لا حكم له) ج: 2 ص231

(7) يقول ابن حزم في"الإحكام"عن الاستصحاب: (وأما الذي عملنا فيه بأن سميناه استصحاب الحال فكل أمر ثبت إما بنص أو إجماع فيه تحريم أو تحليل أو إيجاب ثم جاء نص مجمل ينقله عن حاله فإنما ننتقل منه إلى ما نقلنا النص فإذا اختلفوا ولم يأت نص ببرهان على أحد الوجوه التي اختلفوا عليه وكانت كلها دعاوى فإذا ثبت على ما قد صح الإجماع أو النص عليه ونستصحب تلك الحال ولا ننتقل عنها إلى دعاوى لا دليل عليها) ج: 3 ص: 304 وهو عنده نوع من الإجماع يقول: (فأما الدليل المأخوذ من الإجماع فهو ينقسم أربعة أقسام كلها أنواع من أنواع الإجماع وداخلة تحت الإجماع وغير خارجة عنه وهي استصحاب الحال وأقل ما قيل وإجماعهم على ترك قولة ما وإجماعهم على أن حكم المسلمين سواء وإن اختلفوا في حكم كل واحدة منها) ج: 5 ص: 98

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت