بخصوص تعلم ما يتعلق بالعرف والعادة والتجربة ومعرفة بعض الأحكام المرتبطة بأحوال ظرفية، ومساهمة كل ذلك في تربية ملكة الاجتهاد، فإن ابن رشد لم يتناول ذلك بالدراسة في كتابه الأصولي ولا في مقدمة"البداية"وإنما جاء حديثه في"الضروري في أصول الفقه"عرضا في أماكن متناثرة حيث نجد تعابير من مثل: عرف باللغة، وعرف بالشرع، وعرف بالعادة والاستعمال. [1]
ففي العرف اللغوي والشرعي يقول: (الأسماء العرفية [2] , وهي أسماء استعملت في الوضع على أشياء ثم نقلت في الشرع إلى أشياء أخرى لشبهها بالمعاني الأول أو لتعلقها بها بوجه من أوجه التعلق. وهذه إذا وردت في الشرع كانت ظاهرة في المعاني الشرعية, ولم تحمل على المعاني اللغوية إلا بالتأويل) [3]
ويقول أيضا في العرف اللغوي: (وعلى هذا تجوز المخاطبة بالأسماء العرفية قبل فهم المعاني التي يدل عليها بتلك الأسماء، اتكالا على أن المخاطبين يعلمون أن تلك الأسماء تدل على معان زائدة إلى ما كانت تدل عليه في الوضع الأول، وفائدة ذلك العزم على الأمر وبتأخر البيان إلى وقت الحاجة) [4] ونجد أيضا قوله: (باستقراء كلام العرب, فإنهم ليس يطلقون في مخاطبتهم اسم العين مثلا ويريدون به أن يفهم السامع عنهم جميع المعاني التي يقال عليها اسم العين. وأبين ما يظهر ذلك في الأسماء المقولة على المتضادات, اللهم إلا أن يدّعي مدّع أن ذلك مفهوم بالعرف الشرعي, لكن إن ادّعى ذلك فعليه إثباته. ) [5]
وفي عرف العادة، قوله: (يستحيل في عرف العادة أن يهمل بعضه أو ينقل نقل آحاد مع استفاضته في الجماعة التي لا يصح عليها الإغفال والإهمال وهم الذين يقع بنقلهم التواتر، ولهذا ما كانت الزيادات التي لم تنقل نقل تواتر ليست توجب عند الأكثر عملا) [6] وقوله: (لأن ما تعم به البلوى ينتشر ويستفيض بحسب عرف العادة) [7]
(1) يشير الغزالي في المستصفى إلى أنه لا يمكن دعوى عرف الاستعمال حتى يغلب العرف الوضع ج: 1 ص: 211
(2) يقول الجويني في"البرهان في أصول الفقه": (قد ذكر الأصوليون أن في الألفاظ ما هو عرفي وللعرف احتكام فيه ووجه احتكام العرف فيه يحصره شيئان أحدهما أن تعم استعارته عموما يستنكر معها استعمال الحقيقة وهذا كقول القائل وهذا مستعار متجوز فإن الخمر لا تكون مرتبط التكليف وإنما يتعلق التكليف بأحكام أفعال المكلفين فالمحرم إذا شرب الخمر وتعاطيها ولو قال قائل ليست لكان قائلا هجرا ويكثر تطاير ذلك في اللسان والشرع فهذا أحد الوجهين والثاني يخصص العرف أسماء ببعض المسميات ووضع الاسم يقتضي ألا يختص وهذا كالدابة فإنها مأخوذة من دب يدب وهو مبني بناء فاعل على قياس مطرد في أسماء الفاعلين ثم يقال فلان دب ولا يسمى دابة إلا بعض البهائم والحشرات كالحيات ونحوها) ج: 1 ص: 134
(3) الضروري في أصول الفقه: ص: 102
(4) الضروري في أصول الفقه: ص: 106
(5) الضروري في أصول الفقه: ص: 111
(6) الضروري في أصول الفقه: ص: 63
(7) الضروري في أصول الفقه: ص: 82