فهرس الكتاب

الصفحة 833 من 979

من الأرض وإذا سافرتم في السنة فأسرعوا عليها السير وإذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق فإنها مأوى الهوام بالليل) [1]

ومن فقه أبي داود (ت 275هـ) في سننه ذكر حديث كعب بن مالك - رضي الله عنه - الذي أمر باعتزال زوجته لما تخلف عن الغزوة في باب الطلاق في إشارة إلى أن صور بعض الأعمال واحدة ويميز بينها مقاصد المكلفين، فهو يروي عن: (عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال سمعت كعب بن مالك فساق قصته في تبوك قال حتى إذا مضت أربعون من الخمسين إذا رسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتي فقال إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك قال فقلت أطلقها أم ماذا أفعل قال لا بل اعتزلها فلا تقربنها فقلت لامرأتي الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله سبحانه في هذا الأمر) [2]

ودعا الشيخ الحافط إسماعيل بن إسحاق بن حماد القاضي المالكي (ت 282) إلى صرف حق بيت مال المسلمين في مصالحهم، قال ابن عبد البر في الاستذكار: (قال إسماعيل بن إسحاق كل ما وجده المسلمون في خرب الجاهلية من أرض العرب التي افتتحها المسلمون من أموال الجاهلية ظاهرة أو مدفونة في الأرض فهو الركاز ويجري مجرى الغنائم ثم يكون لمن وجده أربعة أخماسه ويكون سبيل خمسه سبيل خمس الغنيمة يجتهد فيه الإمام على ما يراه من صرفه في الوجوه التي ذكر الله من مصالح المسلمين) [3]

ثم ظهر أبو سليمان داود بن علي بن خلف بن سليمان الأصبهاني (ت 290 هـ) إمام أهل الظاهر، مشكلا قمة القبض، والانقلاب عن التيار المقاصدي برمته، حيث وضع الهيكل المنهجي، وعمل على تأصيل التوجه الظاهري بحيث انتقل من ممارسات فردية شاذة عن تيار السلف، ليصبح مذهبا له منهجه ورجاله ومؤلفاته. وأراه تطور بشكل ما عن اتجاه الضبط والقبض والكبح والرغبة في سد منافذ الأهواء التي تركب المعاني إلى حيث تطمس مقاصد الشرع لتحل محلها مقاصد وأغراض أهل الأهواء.

فكان التيار الظاهري رد فعل على التوجهات الباطنية والتيارات التقويلية فأراد علاج ظاهرة منحرفة ولكن بأدوات غير سليمة، حتى اعتبر البعض مذهب أهل الظاهر بدعة في الأمة أضيفت إلى البدع التي ابتليت بها.

ويظهر أن المذهب الظاهري خرج من معطف الشافعية باعتباره النهايات المنطقية للتطرف في منهج الضبط وهاجس الخوف من بسط المقاصد، تماما كما يمكن أن يخرج التيار التقويلي من معطف أهل المقاصد [4] . يقول الشيخ أبو إسحاق في طبقاته

(1) 1926 صحيح مسلم ج: 3 ص: 1525 الحديث:

(2) سنن أبي داود: ج: 2 ص: 262

(3) الاستذكار ج: 3 ص: 147

(4) يذكر أن سبب توجيه أنظار العلماء إلى المقاصد في زماننا جاء على يد الشيخ محمد عبده عندما اطلع على نسخة من الموافقات في زيارته لتونس واستفاد من هذا التوجيه تلميذه رشيد رضا ومن بعده تيار الفكرة الإسلامية فكتب في الموضوع ابن عاشور وعلال الفاسي ونشر حسن البنا حلقات حول مقاصد القرآن في ثلاثينات القرن الميلادي الماضي، وخرج من معطف محمد عبده أيضا لطفي السيد وقاسم امين وبعدهم طه حسين وأمثاله من التيار العلماني التقويلي.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت