وإذا رجعنا إلى وقت مبكر وتصفحنا كتاب"الزهد"لأبي عبد الله، عبد الله بن المبارك بن وضاح المروزي (ت181هـ) وجدنا فصلا كاملا - شأن معظم كتب الفقهاء والمحدثين- في النيات ومقاصد المكلفين تنبيها لخطورة أمرها في ميزان الشرع وخصوصا في العلاقة مع لله عز وجل والدار الآخرة، فبعد الحديث المشهور (إنما الأعمال بالنيات) حفظ لنا جملة من الأقوال النفيسة وحكم السلف الصالح. ومن بعض ما جاء فيه مما له صلة بمقاصد المكلفين، قوله: (سمعت جعفر بن حيان يقول: ملاك هذه الأعمال النيات فإن الرجل يبلغ بنيته ما لا يبلغ بعمله) وفيه إشارة إلى أهمية المقاصد الحسنة عند الله عز وجل.
وفي ارتباط مع هذا، يشير في قولة أخرى إلى أن استقامة المقاصد مع الله يجعلها مستقيمة بين الناس، يقول: (حدثنا جعفر بن حيان أخبرني توبة العنبري قال أرسلني صالح بن عبد الرحمن إلى سليمان بن عبد الملك فقدمت عليه فقلت لعمر بن عبد العزيز، هل لك حاجة إلى صالح؟ فقال: قل له: عليك بالذي يبقى لك عند الله فإن ما بقي عند الله بقي عند الناس، وما لم يبق عند الله لم يبق عند الناس) وفي الحث على القصد الحسن في كل شيء قال: (أخبرنا سفيان عن زبيد قال يسرني أن يكون لي في كل شيء نية حتى في الأكل والنوم)
وفي التحذير من طغيان الظواهر والمظاهر على حساب المقاصد يقول: (أخبرنا معمر عن سليمان الأعمش عن شقيق بن سلمة قال: مثل قراء هذا الزمان، كغنم ضوائن ذات صوف عجاف اختلفا من الحمض وشربت من الماء حتى انتفخت خواصرها فمرت برجل فأعجبته فقام إليها فعبط شاة منها فإذا هي لا تنقى ثم عبط أخرى فهي كذلك فقال أف لك سائر اليوم) [1]
وفي وقت مبكر نبه عبد الرحمن بن مهدي (ت 198هـ) من بعده من العلماء والفقهاء إلى العناية الشديدة بمسألة النية ومقاصد المكلفين وأوصى بافتتاح كتبهم ومصنفاتهم بحديث"إنما الأعمال بالنيات"فوفى معظم من بعده بذلك. يقول الإمام البيهقي في سننه الصغرى: (قال عبد الرحمن بن مهدي من أراد أن يصنف كتابا فليبدأ بحديث الأعمال بالنيات وقد استعمله محمد بن إسماعيل البخاري رحمه الله فبدأ الجامع الصحيح بحديث الأعمال بالنيات واستعملناه في هذا الكتاب فبدأنا به) [2]
وفي إطار الحديث عن المصالح باعتبارها أساس المقاصد عقد مسلم (ت261هـ) بابا في صحيحه يهم مصلحة الدواب في إشارة إلى ضرورة رعاية مصالحها أثناء الطر يق (باب مراعاة مصلحة الدواب في السير والنهي عن التعريس في الطريق. حدثني زهير بن حرب حدثنا جرير عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (إذا سافرتم في الخصب فأعطوا الإبل حظها
(1) عبد الله بن المبارك بن واضح المرزوي أبو عبد الله (و 118 - ت181) "الزهد"تحقيق:: حبيب الرحمن الأعظمي ص: 63 - 65 - دار الكتب العلمية- بيروت
(2) أحمد بن الحسين بن علي البيهقي أبو بكر"السنن الصغرى"ص: 20 - تحقيق: د. محمد ضياء الرحمن الأعظمي - مكتبة الدار- المدينة المنورة- سنة النشر:: 1410 - 1989 - الطبعة:: الأولى