ففقهاء الأمصار وأئمة المذاهب هم الوارثون للعلم بالمقاصد ولممارسته في الاجتهاد، وقد تفاوتوا في ذلك بحسب ما فتح الله عليهم وما استطاعوا جمعه واستيعابه مما تهيأ لهم في بيئاتهم وما اجتمع لديهم من فقه شيوخ المقاصد قبلهم، ويرجح الأستاذ الريسوني أن يكون الإمام مالك رحمه الله أوفرهم حظا في ذلك، حيث توفر له ما لم يتوفر لغيره واجتمع في بيئة المدينة ما تفرق في غيرها وخصوصا ما توارثته من فقه مقاصدي عن الخلفاء الراشدين وعلى رأسهم عمر - رضي الله عنه - يقول ابن فرحون في الديباج: (وقال حميد بن الأسود كان إمام الناس عندنا بعد عمر رضي الله عنه زيد بن ثابت. وبعده عبد الله بن عمر رضي الله عنهما، قال على بن المدني وأخذ على زيد ممن كان يتبع رأيه واحد وعشرون رجلا ثم صار علم هؤلاء كلهم إلى مالك) [1]
ولا تكاد تخلو مؤلفات كبار علماء الأمة من الإشارة أو التصريح برعاية الشرع للمصالح أو الحديث عن مقاصد المكلفين:
(1) الديباج المذهب: ج1 ص: 15