بغير دليل [1] . ولعل طرحه المنهجي الأصولي المبدع كما تجلى في"الرسالة"وغيرها، أول عمل علمي وصل إلينا يتوخى الضبط ونوعا من القبض لكبح جماح من يمكن أن يركب تيار بسط المقاصد الذي بقي متوهجا منذ أبي بكر فعمر وعثمان وعلي وكبار الصحابة ثم صغارهم ثم كبار التابعين ومن بعدهم، فما بقي من الزمن المشهود له بالخيرية أقل بكثير مما مضى منه، وقد أطلت الفتن بقرونها مرارا، غير أن ما مع الناس من الإيمان والتقوى كان عاصما من ضياع الدين، وأن من بعدهم أحوج إلى معينات منهجية وهم يتعاملون مع المقاصد الشرعية. فإن ضعف فيهم وازع عمر ومالك بقي سلطان الأمة المسلحة ب"الرسالة"وما في حكمها.
ويظهر أن لفظ"المنفعة" [2] كان أكثر شيوعا من لفظ"المصلحة"أو"المصالح" [3] واللذان نجدهما نادرين في استعمال أئمة المذاهب: أبو حنيفة ومالك والشافعي، وإن كان المعنى حاضرا بقوة وخصوصا عند مالك، ويبدو أن التعبير عن المقاصد ب"المصلحة"و"المصالح"شاع بعدهم [4] .
(1) يقول الشافعي في"الرسالة": (حراما على أحد أن يقول بالاستحسان، إذا خالف الاستحسان الخبر) ص: 504 وفي موضع آخر: (وإنما الاستحسان تلذذ. ولا يقول فيه إلا عالم بالأخبار، عاقل بالتشبيه) ص: 507
(2) وردت في"المدونة"في76 مسألة من غير احتساب تكرارها في كل مسألة مع التنبيه أنها ليست متطابقة تماما مع المصلحة فليس كل منفعة مادية مصلحة، وكلما غلب الضرر النفع انتفت المصلحة قال تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا) البقرة: 219 ووردت في"الأم"في 138 مسألة.
(3) يقول أبو بكر الجصاص (ت370هـ) في أحكام القرآن وهو ينبه على المصالح الضرورية: (الدماء والفروج والأموال والأنساب من الأمور التي قد عقد بها مصالح الدين والدنيا) ج: 1 ص: 694 وأما الدين فيشير إليه في قوله: (فكانت الدلائل منصوبة للاعتقاد وإظهار الإسلام معا ; لأن تلك الدلائل من حيث ألزمتهم اعتقاد الإسلام فقد اقتضت منه إظهاره والقتال لإظهار الإسلام , وكان في ذلك أعظم المصالح) ج: 1 ص: 618 ومما يبين تقديمه الدين على باقي الضروريات الأخرى قوله في كتابه"الفصول في الأصول"في معرض الإشارة إلى إباحة الاجتهاد في الشرع: (وكان ذلك من أمور الدين , إذ كان أكبر المصالح) ج: 4 ص: 71 ويعتبر الجصاص من أوائل من وصل إلينا ممن تنبه إلى ربط العقوبات الشرعية بالمصالح يقول: (ثبت أن عقوبات الدنيا ليست موضوعة على مقادير الأجرام , وإنما هي على ما يعلم الله من المصالح فيها) ج: 1 ص: 38
(4) مما وجدته من ذلك لأبي حنيفة رحمه الله ما جاء في الأحكام السلطانية للماوردي: (وقال أبو حنيفة: لا يلزمه استطابة نفوسهم عنه ولا عن غيره من الغنائم إذا رأى المصلحة في أخذها منهم. ) ص: 242 ولم أجد كلمة"مصالح"لا في الموطأ ولا في المدونة. ووجدت"مصلحة"في الموطأ مرة واحدة في كتاب الاعتكاف: (والمعتكف مشتغل باعتكافه لا يعرض لغيره مما يشتغل به من التجارات أو غيرها ولا بأس بأن يأمر المعتكف ببعض حاجته بضيعته ومصلحة أهله وأن يأمر ببيع ماله أو بشيء لا يشغله في نفسه فلا بأس بذلك إذا كان خفيفا أن يأمر بذلك من يكفيه إياه)
وفي"المدونة"وجدتها أربع مرات: عند تفسير معنى السفيه: (قلت والمعتوه المجنون المطبق عليه في قول مالك قال نعم قلت والسفيه قال السفيه الضعيف العقل في مصلحة نفسه البطال في دينه فهذا) ج: 6 ص: 25 وعند قوله: (وقال لي مالك: إنما يضمن الصناع ما دفع إليهم مما يستعملون على وجه الحاجة إلى أعمالهم , وليس ذلك على وجه الاختبار لهم والأمانة , ولو كان ذلك إلى أمانتهم لهلكت أموال الناس وضاعت قبلهم واجترءوا على أخذها ولو تركوها لم يجدوا مستعتبا ولم يجدوا غيرهم ولا أحدا يعمل تلك الأعمال غيرهم فضمنوا ذلك لمصلحة الناس ومما يشبه ذلك من منفعة العامة ما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: {لا يبع حاضر لباد ولا تلقوا السلع حتى يهبط بها إلى الأسواق} فلما رأى أن ذلك يصلح العامة أمر فيه بذلك) ج: 3 ص: 400 وعند قوله: (قال مالك في الوصي يجوز له أن يسلف اليتيم مالا ينفقه عليه أو يجعله في مصلحة له ... ) ج: 6 ص: 315 ونص آخر يقدم فيه مالك إتمام العبادة على بعض المصالح الخاصة: (وسألت مالكا عن العبيد والإماء والنساء , هل يؤمرون بالخروج إلى العيدين وهل يجب عليهم الخروج إلى العيدين كما يجب على الرجال الأحرار؟ قال. لا , قال: فقلنا لمالك فمن شهد العيدين من النساء والعبيد ممن لا يجب عليهم الخروج , فلما صلوا مع الإمام أرادوا الانصراف قبل الخطبة يتعجلون لحاجات ساداتهم ولمصلحة بيوتهم؟ قال: لا أرى أن ينصرفوا إلا بانصراف الإمام) ج: 1 ص: 242 ووجدت للإمام الأوزاعي نصا في الاستذكار حيث جاء فيه:(واحتجوا بحديث أبي قتادة وبأنه حق يستحق مثله بشاهد ويمين
وممن قال ذلك الشافعي والليث وجماعة من أصحاب الحديث.
وقال الأوزاعي ظاهر حديث أبي قتادة هذا يدل على أن ذلك حكم في ما مضى ولم يرد به رسول الله أن يكون أمرا لازما في المستقبل لأنه أعطاه السلب _ بشهادة رجل واحد بلا يمين ومخرج ذلك على اجتهاد من الخمس إذا رأى ذلك الإمام مصلحة والقضاء فيه مؤتنف)الاستذكار ج: 5 ص: 63 ولم أجد للشافعي سوى أربعة نصوص ورد فيهما لفظ"المصلحة"فقد جاء في"الأم": (قال الشافعي) :(والعامل عليها يأخذ من الصدقة بقدر غنائه لا يزاد عليه , وإن كان العامل موسرا إنما يأخذ على معنى الإجارة , والمؤلفة قلوبهم في متقدم من الأخبار فضربان ضرب مسلمون مطاعون أشراف يجاهدون مع المسلمين فيقوى المسلمون بهم ولا يرون من نياتهم ما يرون من نيات غيرهم.
فإذا كانوا هكذا فجاهدوا المشركين فأرى أن يعطوا من سهم النبي صلى الله عليه وسلم هو خمس الخمس ما يتألفون به سوى سهمانهم مع المسلمين إن كانت نازلة في المسلمين , وذلك أن الله عز وجل جعل هذا السهم خالصا لنبيه فرده النبي صلى الله عليه وسلم في مصلحة المسلمين وقال: صلى الله عليه وسلم {مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس والخمس مردود فيكم} يعني بالخمس حقه من الخمس وقوله مردود فيكم يعني في مصلحتكم)ج: 2 ص: 92 وقال في مسألة الحمى: (فلا يحال بينه وبين المسلمين أن ينزلوا ويرعوا فيه حيث شاءوا إلا ما حمى الوالي لمصلحة عوام المسلمين) ج: 4 ص: 52
وقال في العطاء: (وإن فضل من المال فضل بعدما وصفت من إعطاء العطاء وضعه الإمام في إصلاح الحصون والازدياد في السلاح والكراع وكل ما قوى به المسلمين فإن استغنى به المسلمون وكملت كل مصلحة لهم فرق ما بقي منه بينهم كله على قدر ما يستحقون في ذلك المال) ج: 4 ص: 164 وفي نفس المسألة بخصوص التسوية: (ومنهم من قال إذا اجتمع المال ونظر في مصلحة المسلمين فرأى أن يصرف المال إلى بعض الأصناف دون بعض) ج: 4 ص: 165 وأما لفظة"مصالح"فوردت مرتين: عند قوله: (سهم النبي صلى الله عليه وسلم فإنه كان يضعه في الأنفال ومصالح المسلمين) ج: 4 ص: 269 وقوله: (( قال الشافعي) : وأحب للرجل الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء به ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم بالصوم والصلاة عن مكاسبهم) ج: 8 ص: 168. ... .