فهرس الكتاب

الصفحة 829 من 979

ثم تتابع إعمال المقاصد في بقية الخلفاء كل حسب اجتهاده، وفي فتاوى وأقضية معظم الصحابة المؤهلين لذلك، ومجمل القول فيهم، ما قاله عنهم الإمام الجويني في"البرهان": (والذي تحقق لنا من مسلكهم النظر إلى المصالح والمراشد والاستحثاث على اعتبار محاسن الشريعة) [1]

وقد تفرق هذا الخير في تلاميذهم في مختلف الأمصار وسار فقهاء أتباع التابعين على نهجهم وكانت المقاصد حاضرة بقوة في تفاعلهم مع النصوص وفي الأقيسة التي كانوا يجرونها وإن لم يسموا ذلك بمصطلحات من بعدهم، ومن العبارات الأولى التي تم رصدها مما له علاقة بالمقاصد: استعمال أبي حنيفة للاستحسان [2] والذي يعتبر قبسا (من نظرية المصلحة في الشريعة الإسلامية) [3] وتطور عند مالك [4] مفهوم الاستحسان ليصبح في أغلب أحيانه هو (الالتفات إلى المصلحة والعدل) [5] حسب تعبير ابن رشد. واستعمله الشافعي فيما فيه دليل مباشر [6] ورفض ما جاء منه

(1) البرهان في أصول الفقه: ج: 2 ص: 518

(2) مثال الاستحسان بسبب اختلاف التعليل ووجود علة خفية تستدعي الاستثناء من قاعدة القياس، قول أبو حنيفة رحمه الله تعالى: ( .. فإن شرب في الإناء ما لا يؤكل لحمه من بغل أو حمار أو كلب أو هر أو سبع أو خنزير فهو نجس: ولا يجزئ الوضوء به , ومن توضأ به أعاد أبدا. وكذلك إن وقع شيء من لعابها في ماء أو غيره , قال: وهذا وما لا يؤكل لحمه من الطير سواء في القياس , ولكني أدع القياس وأستحسن. ) المحلى لابن حزم ج: 1 ص: 139

ومثال الاستحسان الذي يظهر فيها مراعاة المصلحة قول السرخسي في المبسوط: (ولو استأجر عبدا بأجر معلوم كل شهر بطعامه لم يجز ; لأن طعامه مجهول وهو على رب العبد. فإذا شرطه على المستأجر كان فاسدا والمجهول متى ضم إلى المعلوم يصير الكل مجهولا به , وكذلك استئجار الدابة بأجر مسمى وعلفها , وكذلك كل إجارة فيها رزق , أو علف فهي فاسدة إلا في استئجار الظئر بطعامها وكسوتها , وإن أبا حنيفة رحمه الله قال أستحسن جواز ذلك (ج: 16 ص: 34 فهنا الالتفات في الاستثناء إلى الحاجة والضرورة والمصلحة في الرضاع واضح.

(3) "نظرية المقاصد"أحمد الريسوني: ص: 70

(4) مثال ما يشبه استحسان الحنفية عند مالك وإن كان لا يخلو بدوره من مراعاة المصلحة، ما جاء في"المدونة":(قلت: أرأيت إن هلك رجل وترك ابن أخ له صغيرا وهو وارثه ومعه وارث غيره أيضا كبير , فأوصى العم بهذا الصبي إلى رجل , أيكون وصيه , وتجوز مقاسمته له أم لا في قول مالك؟ أو كان الجد أبا الأب أو كان أخا لهذا الصبي فهلك فأوصى إلى رجل بحال ما وصفت لك؟ قال: لا يجوز من وصية هؤلاء قليل ولا كثير , وليس لواحد من هؤلاء من الوصية قليل ولا كثير ; لأن الميت نفسه لم يكن يجوز أمره ولا صنيعه في مال الصبي قبل موته , فكذلك وصيه أيضا لا يكون أحسن حالا منه نفسه. قلت: أفلا تجوز وصيته في الشيء القليل مثل ما أجاز مالك وصية الأم في الشيء القليل؟ قال: لا أرى أن تجوز وصيته لهذا في قليل ولا كثير.

قلت: وما فرق ما بين هؤلاء وبين الأم؟ قال: إنما استحسن مالك في الأم وليست الأم كغيرها من هؤلاء , ولأن الأم والدة وليست كغيرها وهو مالها , وهذا ليس بماله الذي يوصي به لغيره وما هو بالقياس ولكنه استحسان ; ألا ترى أن الأم تعتصر ما وهبت لابنها أو ابنتها وتكون بمنزلة الأب , والجد والأخ لا يعتصران , فهذا يدلك أيضا على الفرق بينهما)ج: 4 ص: 290

ومثال ما كان لمصلحة ما جاء في"المدونة": (قلت: أرأيت إن ضرب بطنها فألقت جنينا ميتا , أيكون على الضارب الكفارة أم لا؟ قال: قال مالك: الذي جاء في كتاب الله في الكفارة إنما ذلك في الرجل الحر إذا قتله خطأ ففيه الكفارة. قال مالك: وأنا أستحسن أن يكون في الجنين الكفارة. ) ج: 4 ص: 231

(5) بداية المجتهد ج: 2 ص: 140

(6) مثل قوله في"الأم": (وسألت الشافعي عن العمرة في أشهر الحج فقال: حسنة أستحسنها وهي أحب منها بعد الحج لقول الله عز وجل {فمن تمتع بالعمرة إلى الحج} ولقول رسول الله {دخلت العمرة في الحج} ولأن {النبي صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه من لم يكن معه هدي أن يجعل إحرامه عمرة} ) ج: 7 ص: 268 ومثله أيضا في"الأم": (( قال الشافعي) : رحمه الله أخبرنا مالك عن نافع عن ابن عمر أنه كان يبعث بزكاة الفطر إلى الذي تجمع عنده قبل الفطر بيومين أو ثلاثة (قال الشافعي) : هذا حسن وأستحسنه لمن فعله والحجة بأن {النبي صلى الله عليه وسلم تسلف صدقة العباس قبل أن تحل} ) ج: 7 ص: 273

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت