وقلة ما بث فيه من أحكام وقلة ما نقل إلينا منها، ويكفيه عظمة استحضاره لأمهات المقاصد في لحظة حرجة من تاريخ الأمة بعد وفاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. ومن ذلك:
-توجيه الناس إلى المعبود الواحد الدائم، واستمرار الدين والتدين بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. والتي تجلت في خطبته في جموع من صدم بوفاة النبي - صلى الله عليه وسلم -. وتنبيه العابدين لله بأن معبودهم حي لا يموت.
-مساهمته في حسم أمر خلافة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، وقبل أن يوارى عليه السلام التراب، حتى يجتمع أمر الأمة ولا ينفرط عقدها، ومن غير شك ففي وجود سلطان جامع لهم حفظ لجملة من مقاصد الدين.
-حسمه في قتال المرتدين [1] والخارجين عن سلطان الجماعة سواء منهم من كفر بالدين جملة أو أنكر بعضه أو عطل العمل به لتأويل عنده أو الرغبة في مجرد الانفصال السياسي، والاستقلال بالولاء للقبيلة على حساب وحدة سلطان الأمة. منبها بذلك على أن وحدة المسلمين من أعظم مقاصد الدين وأن التهاون في ذلك يكاد يأتي على أصل الدين، ويفتح بابا عريضا لسفك دمائهم وانتهاك أعراضهم وضياع أموالهم وغير ذلك من مصالحهم في الدين والدنيا، وهو ما أثبت التاريخ وقوعه بعد أن سمح المسلمون بتعدد دويلاتهم بحجة حقن دماء تبقى محدودة مقارنة بأخرى غير محدودة لما فتح شر الفرقة بينهم. كما نبه رضي الله عنه على خطورة قبول تجزيء الدين [2] .
يضاف إلى ذلك مقاصد أخرى عديدة وعظيمة وجليلة في جمع القرآن الكريم وإنفاذ جيش أسامة ورفضه قبول لقب"خليفة الله"حيث رضي"بخليفة رسول الله"وكذا خطبته العظيمة التي أكد فيها أنه ولي أمر الناس وليس بخيرهم (تواضعا) وأنه إن أحسن يعان وإن أساء يقوم وأن القوي ضعيف حتى يؤخذ الحق منه، والضعيف قوي حتى يؤخذ الحق له، وكذا جمعه فقهاء الصحابة حوله ومشاورتهم كلما نزلت به نازلة لا يعلم حكما لها في الكتاب أو السنة.
وإذا كان عمر - رضي الله عنه - بشهادة الجميع رجل المقاصد بامتياز، فأبو بكر - رضي الله عنه - أستاذه في ذلك بعد رسول الله - صلى الله عليه وسلم -. وما عمر إلا حسنة من حسناته حيث أهداه إلى الأمة خليفة بعده، وقد كان الفاروق - رضي الله عنه - نفسه يتمنى أن يكون شعرة في صدر أبي بكر.
(1) حتى ولو كن نساء، يقول السرخسي في المبسوط عن بعض من قتل منهن: (والمرتدة التي قتلت كانت مقاتلة , فإن أم مروان كانت تقاتل وتحرض على القتال , وكانت مطاعة فيهم , وأم فرقة كان لها ثلاثون ابنا , وكانت تحرضهم على قتال المسلمين , ففي قتلها كسر شوكتهم , ويحتمل أنه كان ذلك من الصديق رضي الله عنه بطريق المصلحة والسياسة كما أمر بقطع يد النساء اللاتي ضربن الدف لموت رسول الله صلى الله عليه وسلم لإظهار الشماتة ,) ج: 10 ص: 110
(2) روى البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: لما توفى النبي صلى الله عليه وسلم واستُخلف أبو بكر وكفر من كفر من العرب قال عمر: يا أبا بكر كيف تقاتل الناس وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أمِرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فمن قال لا إله إلا الله عصم مني ماله ونفسه إلا بحقه وحسابه على الله؟ قال أبو بكر: والله لأقاتلن من فرق بين الصلاة والزكاة، فإن الزكاة حق المال، والله لو منعوني عناقا كانوا يؤدونها إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لقاتلتهم على منعها. قال عمر: فو الله ما هو إلا أن رأيت أن قد شرح الله صدر أبي بكر للقتال فعرفت أنه الحق.