حدود التصرف والاجتهاد. ف"الشرع"هنا أعني به: أن يشمل جميع المصالح المعتبرة بالكتاب أو السنة أو الإجماع أو الاجتهاد من أهله وبشروطه. ولم أذكر"العباد"حتى تبقى المصالح شاملة لهم ولغيرهم من المخلوقات والأرض والعمران كما هي مقررة في الشرع بغض النظر عن الناس وإن كانوا هم المقصودون بالأصل.
علم المقاصد قبل ابن رشد: أو المقاصد بين البسط والقبض: [1]
يعتبر عصر الصحابة - رضي الله عنهم - بحق عصر انطلاق علم المقاصد، إذا اعتبرنا زمن البعثة هو زمن نصوص الوحي المنزل والوحي التقريري [2] بمنطوقها ومفهومها والتي تعتبر الأساس الركين لما صرحت به من مقاصد أو تضمنته. ولا يمكن لجيل آخر أن يدعي انه أعلم من الصحابة بمقاصد الشرع، فهم شاهدوا التنزيل وعرفوا أسبابه وفيهم من نزلت فيه بعض آياته، وكانوا أفضل من غيرهم في ضبط لغته ومعناه وعاشوا السنة سماعا ورؤية وممارسة بل ودخلت بعض أقوالهم وأفعالهم التي أقرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - عليها في صلب السنة المتبعة.
ونقول بأن الصحابة - رضي الله عنهم - لم يكونوا بحاجة في اجتهادهم إلى ما نحن اليوم في الحاجة إليه من علم المقاصد، كما لم يكونوا بحاجة إلى علم اللغة العربية وأصول الفقه (كما لم يحتج الأعراب إلى قوانين تحوطهم في كلامهم ولا في أوزانهم) [3]
فهم في المقاصد كما قال ابن رشد تماما عن أحوالهم في أصول الفقه: (كانوا يستعملون قوتها, وأنت تتبين ذلك من فتاواهم رضي الله عنهم, بل كثير من المعاني الكلية الموضوعة في هذه الصناعة إنما صححت بالاستقراء من فتاواهم مسألة مسألة. ) [4]
وكشأن العديد من القضايا فقد ظهر الخلاف بينهم وتأرجح حالهم بين التمسك بظاهر النصوص أو التعلق بمقاصد الشرع. فلا يعدم خلف المقاصديين ولا خلف الظاهرية سلفا فيهم، غير أن أحوال الصحابة في الأخذ بالظاهر أو التعلق بالمقاصد كان يطبعها في العموم الاعتدال. وهو الظاهر من مقصود الشارع عندما جعل الشرع ظاهرا ومقصدا. وبقيت الأمة بعدهم يتجاذبها هذان القطبان في النظر والعمل. فيكون الحال تارة التصاق بالظاهر إلى حد الجمود المضيع للمقاصد، وتارة أخرى تمسح بالمقاصد إلى حد الخروج والتقول والافتراء وتضييع الأصول ورسوم الشريعة.
ويعتبر الخلفاء الراشدون أبرز من ظهرت في ممارساتهم واجتهاداتهم مقاصد الشريعة استنباطا وعملا، وأعظمهم في ذلك أبو بكر - رضي الله عنه - رغم قصر مدة خلافته
(1) اقتباسا من ظاهر لفظ عنوان كتاب"القبض والبسط في الشريعة"لصاحبه عبد الكريم سروش- دار الجيل- لبنان- 2003 من غير التزام بمضامين الكاتب.
(2) ما أقر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام من السنة، فمع انتهاء نزول الوحي يعتبر ما صح من السنة التشريعية وحيا لأن الله عز وجل لا يمكن أن يقر رسوله على ما يخالف التنزيل. والقياس هنا واضح على السنة التقريرية إذ رغم صدورها عن الصحابة اعتبرت سنة بمجرد إقرار النبي - صلى الله عليه وسلم - لها
(3) الضروري في أصول الفقه: ص: 36
(4) الضروري في أصول الفقه: ص: 37