فهرس الكتاب

الصفحة 826 من 979

أما القول في رجاله ومؤلفاته، فما هو مبثوث في الكتب من غير استقلال فلا يحصيه عد، إلا ما كان من رب العالمين. وأما من أفرده بالتأليف فليس قليلا في العدد [1] وإن كان ينقصه التعريف والجمع والتصنيف والتمييز وغربلته حتى يفرز السمين من غيره، وما فيه إبداع وما ليس فيه غير تسويد الصحف وآفة التكرار والاجترار شأن أحوال كثير من علومنا الإسلامية.

ف"موافقات"الشاطبي رسالة هذا العلم [2] و"مقاصد"ابن عاشور وعلال الفاسي وصلتاه بزماننا وفتحتا آفاق التخصص فيه والعناية به، و"نظرية المقاصد"ومعها"الفكر المقاصدي"للريسوني، أتمتا البناء أو هو في طريق الاكتمال. فهو على كل حال قد نضج، ومعالمه وآفاقه بادية للعيان. وحتى لو لم يعترف له البعض بالاستقلال التام، فقد حصل بكل تأكيد على استقلاله الذاتي داخل مملكة الأصول. والخطوة الموالية مسألة وقت ليس إلا.

وقلت في التعريف المختار:"المصالح"عوض الغايات أو الأهداف والمرامي، لأني وجدت أهل هذا الشأن مجمعون أنها ليست سوى كذلك [3] . فأزحت الوسيلة نحو المقصود. وهي في إطلاقها في الشرع تشمل الدنيا والآخرة، والخاص والعام، ودفع المفاسد وجلب المنافع ..

ولم أذكر باللفظ دفع المفاسد، لأن ذلك متضمن في"المصالح"حيث أن درء المفسدة: مصلحة، وخطوة أولى وربما كانت ضرورية في طريق تحقيق المصالح. فأصل الفساد تعذر المقصود وزوال المنفعة. يقول ابن العربي: (وأصل"فسد"في لسان العرب تعذر المقصود وزوال المنفعة ; فإن كان فيه ضرر كان أبلغ , والمعنى ثابت بدونه قال الله سبحانه: {لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا} أي لعدمتا , وذهب المقصود. وقال الله سبحانه: {والله لا يحب الفساد} وهو الشرك أو الإذاية للخلق , والإذاية أعظم من سد السبيل , ومنع الطريق. ويشبه أن يكون الفساد المطلق ما يزيف مقصود المفسد, أو يضره, أو ما يتعلق بغيره. والفساد في الأرض هو الإذاية للغير) [4]

واكتفيت بالقول (المعتبرة في الشرع) دفعا للمصالح الموهومة أو الملغاة في ميزان الشرع إن صح تسميتها"مصالح"، وفضلت تعبير"الشرع"عوض"الشارع"دفعا لتوهم قصر المصالح على المنصوص عليه في كلام الله عز وجل وكلام رسوله - صلى الله عليه وسلم - دون ما تفهمه الأمة من تلك النصوص عن طريق الإجماع أو ما يفهمه العلماء عن طريق الاجتهاد، فالشارع على الحقيقة هو الله عز وجل ويطلق على غيره من رسول أو أمة أو مجتهدين على سبيل المجاز لما أذن لهم الله بذلك راسما لهم

(1) انظر ملحق ما وقفت على عناوينه في آخر البحث مما كتب في المقاصد وما في معناها

(2) أي بمثابة رسالة الشافعي في أصول الفقه.

(3) يقول أبوحامد الغزالي: (وإذا فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع، فلا وجه للخلاف في اتباعها بل يجب القطع بكونها حجة) المستصفى ج: 1 ص: 143 ويهمني هنا قوله (فسرنا المصلحة بالمحافظة على مقصود الشرع) ويقول صاحب البحر المحيط: (والمراد بالمصلحة: المحافظة على مقصود الشرع بدفع المفاسد على الخلق) ج: 8 ص: 83

(4) أحكام القرآن: ج: 2 ص: 89

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت