هو أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن أحمد بن أحمد بن رشد [1] وسمي باسم جده وكني بنفس كنيته واشتهر عند المسلمين في كتب الطبقات بأبي الوليد القاضي، والفيلسوف وبأبي الوليد الأصغر ولقب بابن رشد الحفيد وعرف عند الغربيين ب: Averroes وولد لأهل بيت فقه وعلم. وتعتبر أسرته من أكبر الأسر الأندلسية بل من مفاخر قرطبة، بحيث شغلت زمنا طويلا مركزا ممتازا في الفقه والقضاء والسياسة، وكانت موضع إجلال دولة المرابطين ثم دولة الموحدين على اختلافهما في النزعات والميول.
فرأت الأسرة في ابن رشد الحفيد امتدادا لمجدها، فاهتمت بتكوينه تكوينا أصيلا متينا، فحفظ القرآن الكريم، ودرس اللغة العربية وآدابها، وحفظ شعر أبي تمام وغيره. وسمع الموطأ وحفظه، ثم سمع المدونة وأتقنها فهما، ودرس الفقه عن أئمة عصره، وعلم الكلام على شيوخ الأشاعرة. وأخذ الأصول عن المعتنين بهذا الفن، وروى الحديث، وحفظ منه. لكن بقيت الدراية أغلب عليه من الرواية. [2] حيث اتصل بشيوخ عصره في الطب والحكمة حتى انتهت إليه الإمامة دون أهل عصره في الفلسفة وعلوم الأوائل وكان يفزع إليه في الفتوى في الطب كما يفزع إليه في الفقه. [3]
ولم تثبت له رحلة خارج الأندلس في مرحلة التحصيل، غير أنه راسل الشيوخ خارج الأندلس وهو بعد لم يتجاوز السادسة عشر من عمره [4] . وقد عاصر في فترة شبابه سقوط دولة وقيام أخرى وانشغل طوال الأحداث الجسيمة لتلك الفترة بتكوينه الذاتي منغمسا في العلم والبحث متجاوزا لدائرة الفقه والقضاء إلى دائرة الطب والفلسفة وعلوم الأوائل، فتفتحت أمامه أبواب الوجاهة، وناسب الظرف الجديد كما ناسب أبواه من قبل ظرفهما، فنال الحظوة والشهرة وإكرام الأمراء بالعطايا والإنفاق وإسناد القضاء والتشجيع على التأليف. فاستدعاه عبد المومن بن علي سنة 547هـ وهو بعد في السابعة والعشرين من عمره ليستشيره ويستعين بآرائه في إصلاح التعليم وإنشاء المعاهد بمراكش.
وقدكان عبد المومن ممن نادى من الأمراء الموحدين برد (الناس إلى قراءة حديث واستنباط الأحكام منها وكتب بذلك إلى جميع طلبة العلم من بلاد الأندلس والعدوة) [5] . وفي سنة 558هـ توفي عبد المومن فخلفه أبو يعقوب يوسف وكان يحب العلم ويكرم العلماء فاتصل به ابن رشد بمراكش بحضور ابن طفيل -الفيلسوف الشهير- وكان هذا اللقاء سببا في تصدي ابن رشد لتقريب عبارة فلاسفة اليونان والتأليف في الحكمة وعلوم الأوائل، وقد نقل المراكشي في المعجب ما
(1) أبو عبد الله محمد بن أبي بكر القضاعي بن الآبار (التكملة لكتاب الصلة) ج2ص73 - 74 تحقيق د. عبد السلام الهراس دار الفكر بيروت 1995
(2) نفس المرجع والصفحة
(3) نفس المرجع والصفحة
(4) إبراهيم بن علي بن محمد بن فرحون (الديباج المذهب في معرفة أعيان علماء المذهب) ص285 دار الكتب العلمية بيروت
(5) الاستقصا ج1 ص125