جرى بحسب رواية أحد تلاميذ ابن رشد قال: أخبرني تلميذه الفقيه الأستاذ أبو بكر بندود بن يحيى القرطبي قال: سمعت الحكيم أبا الوليد يقول غير مرة لما دخلت على أمير المؤمنين أبي يعقوب وجدته هو وأبو بكر بن طفيل ليس معهما غيرهما فأخذ أبو بكر يثني علي ويذكر بيتي وسلفي ويضم بفضله إلى ذلك أشياء لا يبلغها قدري فكان أول ما فاتحني به أمير المؤمنين بعد أن سألني عن اسمي واسم أبي ونسبي أن قال لي: ما رأيهم في السماء؟ يعني الفلاسفة أقديمة هي أم حادثة؟ فأدركني الحياء والخوف، فأخذت أتعلل وأنكر اشتغالي بعلم الفلسفة ولم أكن أدري ما قرر معه ابن طفيل.
ففهم أمير المؤمنين مني الروع والحياء فالتفت إلى ابن طفيل وجعل يتكلم على المسألة التي سألني عنها ويذكر ما قاله أرسطوطاليس وأفلاطون وجميع الفلاسفة ويورد مع ذلك احتجاج أهل الإسلام عليهم، فرأيت منه غزارة حفظ لم أظنها في أحد من المشتغلين بهذا الشأن المتفرغين له، ولم يزل يبسطني حتى تكلمت فعرف ما عندي من ذلك فلما انصرفت، أمر لي بمال وخلعة سنية ومركب وأخبرني تلميذه المتقدم الذكر عنه قال استدعاني أبو بكر بن طفيل يوما فقال لي سمعت اليوم أمير المؤمنين يتشكى من قلق عبارة أرسطوطاليس أو عبارة المترجمين عنه ويذكر غموض أغراضه، ويقول لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهما جيدا لقرب مأخذها على الناس.
فإن كان فيك فضل قوة لذلك فافعل وإني لأرجو أن تفي به لما أعلمه من جودة ذهنك وصفاء قريحتك وقوة نزوعك إلى الصناعة وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كبر سني واشتغالي بالخدمة وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي منه، قال أبو الوليد فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم أرسطوطاليس [1] .
وفي سنة 564 هـ ولاه أبو يعقوب القضاء في إشبيلية وبها ابتدأ خطة القضاء وبقي عليها مدة [2] . وفي سنة 566 هـ عينه نفس الأمير قاضيا في قرطبة ومكث في هذا المنصب مدة تزيد على عشر سنوات وفي 578هـ استدعاه إلى مراكش وعينه طبيبه الخاص ثم أرجعه بعد ذلك إلى قرطبة وعينه قاضي القضاة بها.
وفي سنة 580هـ توفي أبو يعقوب يوسف وخلفه ولده يعقوب الملقب بالمنصور بالله فلقي في البداية ما ناله من والده من حظوة وإكرام وتقريب واحترام فكان من أطبائه المقربين [3] وفي سنة 591هـ جاز المنصور إلى الأندلس ومر بقرطبة وهو متوجه إلى غزو الفرنج [4] بقيادة ألفونس ملك البرتغال، فاستدعاه وقربه حتى تجاوز به الموضع الذي كان يجلس فيه أبو محمد عبد الواحد بن الشيخ
(1) المعجب ج1 ص 242 - 243
(2) موفق الدين أبي العباس أحمد بن القاسم المعروف بابن أصيبعة (ت668) (عيون الأنباء في طبقات الأطباء) ص531 تحقيق نزار رضا- دار مكتبة الحياة-بيروت-1965
(3) الاستقصا ج1ص183 - ط مصر1312هـ
(4) علي بن محمد الجزري المعروف بابن الأثير (الكامل في التاريخ) ج9ص233 تحقيق محمد إبراهيم ومحمد عاشور ومحمود عبد الوهاب-ط الاستقامة- مصر-1970م