فهرس الكتاب

الصفحة 94 من 979

حفص الهنتاني [1] مما أثار حفيظة حساده. فأقام المنصور بالأندلس إلى آخر عام 593هـ وفي هذه السنة قبل رحيله إلى مراكش تغير على ابن رشد وهو شيخ فوق السبعين فاعتقله وأهانه ونفاه إلى اليسانة [2] وأبعد عنه أصحابه وعزلهم عن القضاء [3] ومنع تلاميذه ومريد يه من الاتصال به بحرق كتبه في التعاليم، كل ذلك وقع بعد محاكمة علنية بجامع قرطبة بمحضر الفقهاء [4] وأعيان الدولة وبمشهد ملأ من المسلمين.

_ أسباب المحنة:

يشير بعض المؤرخين [5] إلى أن السبب في المحنة التي أصابت ابن رشد هو ما رمي به من الزندقة والكفر وما زعم من تشكيكه في وجود قوم عاد رغم ذكر قصصهم في القرآن. وكذلك العثور على عبارة: (فقد ظهر أن الزهرة أحد الآلهة) في بعض كتبه.

وهي أمور يصعب التسليم بها. إذ ما يؤخذ على الرواية الأولى أن صاحبها ادعى أن ابن رشد، قال ذلك وسط جمع من الطلبة، وهو أمر كفيل بالإدانة والانتقام لشرف الدين، غير أن المحنة لم تحدث إلا بعد ذلك بمدة، الأمر الذي يحيط الحادث بجملة من الشكوك، وخصوصا في مثل وسط يعيش عزة الإسلام آنذاك مع وجود حساسية في البيئة اتجاه الاشتغال بالفلسفة عموما وبالأحرى النطق بما يخالف النصوص الصريحة.

فهذا المقري يوصي أبناءه بما يلي: (وإياكم والعلوم القديمة والفنون المهجورة الذميمة فأكثرها لا يفيد إلا تشكيكا ورأيا ركيكا ولا يثمر في العاجلة إلا اقتحام العيون وتطريق الظنون وتطويق الاحتقار وسمة الصغار وخمول الأقدار والخسف من بعد الإبدار وجادة الشريعة أعرق في الاعتدال وأوفق من قطع العمر في الجدال هذا ابن رشد قاضي المصر ومفتيه وملتمس الرشد وموليه عادت عليه بالسخطة الشنيعة وهو إمام الشريعة) [6] فسبيل الفلسفة (محجور وضرم مسجور وممقوت مهجور) [7] ويقول أيضا عنها (وهذا العلم ممقوت بالأندلس لا يستطيع صاحبه إظهاره، فلذلك تخفى تصانيفه) [8] وفي موضع آخر (وكل العلوم لها

(1) عيون الأنباء ص 531 والهنتاني هو صاحب عبد المومن وهو الثالث أو الرابع من العشرة وصهر المنصور

(2) مدينة كان يسكنها اليهود تبعد بحوالي أربعين ميلا عن قرطبة، انظر: كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق ج2 ص571

(3) ابن الآبار (التكملة) ج2 ص 570

(4) يذكر من الفقهاء المتكلمين الذين كانوا سببا في محنته أبو زيد عبد الرحمن بن زكرياء بن محمد الرجراجي يكنى ت 605 هـ قال عنه صاحب التكملة لكتاب الصلة: (وكان شيخا صالحا متحققا بعلم الكلام متعسفا شديدا في أحكامه ونوظر عليه بقرطبة وجرى بينه وبين القاضي أبي الوليد بن رشد ما جر نكبته المشهورة ونكبة أصحابه) ج3ص53

(5) المعجب ج1 ص306 وكذا (الذيل والتكملة) لابن عبد الملك المراكشي ج6ص25 تحقيق إحسان عباس ط 1973

(6) نفح الطيب: ج7 ص 400 - 401

(7) نفس المرجع والصفحة

(8) نفسه: ج3 ص199

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت