فهرس الكتاب

الصفحة 95 من 979

عند أهل الأندلس حظ واعتناء إلا الفلسفة والتنجيم فإن لهما حظا عظيما عند خواصهم. ولا يتظاهر بهما خوف العامة، فإنه كلما قيل فلان يقرأ الفلسفة ويشتغل بالتنجيم أطلقت العامة عليه اسم زنديق وقيدت عليه أنفاسه، فإن زل في شبهة رجموه بالحجارة أو حرقوه قبل أن يصل أمره للسلطان، أو يقتله السلطان تقربا لقلوب العامة، وكثيرا ما يأمر ملوكهم بإحراق كتب هذا الشأن) [1] . وبهذه الشهادة يمكن استبعاد ما رمي به ابن رشد من إنكار وجود قوم عاد.

كما أن العبارة المذكورة في اتهام ابن رشد_ إذ وجدت حقا في بعض كتبه_ قد تكون بترت من سياقها أو قد يكون الغرض من إيرادها التحدث عن عقائد قوم سابقين وعلوم الأوائل. ثم إن الرجل من خلال كتاباته يبدو قوي الإيمان بالله تعالى وبالتالي لا يمكن أن يراوده لحظة رد خبر أوحى به الله تعالى إلى خاتم النبيين أو يشرك بالله وهو يعلم أن الشرك ظلم عظيم لمقام الألوهية.

ومن بعض كلام ابن رشد الذي يرد هذه المزاعم قوله: (من اشتغل بعلم التشريح ازداد إيمانا بالله تعالى) [2] . ولعل اجتهاده في تعلم تلك العلوم وتعليمها والتعمق فيها لم يكن منه إلا سعيا وراء مزيد من اليقين وجمع نور العقل إلى نور الوحي ليزداد بصيرة وإيمانا.

فهو يتحدث مثلا عن الدافع الذي حركه لتخليص كتاب جالينوس (وأكثر ما حركني إليه ابناي أبو القاسم وأبو محمد، إذ كان لهما مشاركة في هذه الصناعة وفي العلوم الحكمية التي لا يتم النظر في هذه الصناعة إلا بها، كما بين ذلك جالينوس في مقالاته أن الطبيب الفاضل هو فيلسوف بالضرورة، ومعنى الفيلسوف المحب في علوم الحق، وشرح هذا الاسم يرفع عن السامع له المنصف الشناعة التي لحقت هذه التسمية في زماننا هذا من قبل قوم انتسبوا إلى علم الشرع، مما تعرفه العامة والله الموفق للصواب بفضله ورحمته) [3] .

ولا ينفك يذكر الله تعالى وهو في حديثه عن الفلسفة الموجهة للخاصة وليست لعامة الجمهور [4] . وهذا أبو الحسن بن قطرال (563هـ-651هـ) يروي عنه أنه قال (أعظم ما طرأ علي في النكبة أني دخلت أنا وولدي عبد الله مسجدا بقرطبة، وقد حانت صلاة العصر، فثار لنا بعض سفلة العامة فأخرجونا منه) [5] . وهناك من يذكر أسبابا أخرى غير هذه، ولها علاقة بالوشاية والدسائس المعهودة في بلاط الحكام من طرف المنافسين والحساد فادعوا مسه بالأسس الفكرية للدعوة

(1) نفسه: ج1 ص221

(2) عيون الأنباء ص532

(3) ابن رشد (تلخيص الميزاج) ص94 نقلا عن جمال الدين العلوي (المتن الرشدي) ص 113 دار توبقال-البيضاء-ط1 - 1986

(4) ابن رشد (المختصر في النفس) ص60وص126 وغيرها نقلا عن المرجع السابق ص53 - 54

(5) الذيل والتكملة لكتابي الموصول والصلة ج6ص26

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت