لم ترد الإشارة إلى سد الذرائع في"الضروي في أصول الفقه"لابن رشد، ولا في المقدمة الأصولية"للبداية"بما يعني بشكل واضح عدم اعترافه بكونه أصلا من أصول الفقه، وإن كان من الناحية التطبيقية والعملية في"البداية"قد أورد كثيرا مما يتعلق به، بل وساهم كما سنرى في التنظير للتوسط فيه وإسناد الأخذ به للفضلاء.
وليس معنا من إشارة إلى مفهومه وقريب من تعريفه إلا ما سبق أن رأيناه مع ابن رشد في التحسين والتقبيح العقليين حيث ورد في النص السابق من"الضروري في السياسة" (كل ما يؤدي إلى الغاية فهو خير وحسن، وكل ما يعيق الوصول إليها فهو شر وقبيح. ) [1] وإن كان نقل هذا المعنى من فضاء الفلسفة وعرض آراء أفلاطون، إلى مجال الشريعة والفقه ينبغي فيه الاحتياط من قاعدة الغاية تبرر الوسيلة على الإطلاق كما هي في الفكر الغربي.
الذريعة لغة:
الذريعة لغة: من ذرع، والذراع ما يذرع به، يقال قدره بالذراع، ويقال: هذه ناقة تُذارعُ بُعْدَ الطريق أَي تَمُدّ بَاعَها وذِراعها لتَقْطعه، وهي تُذارع الفلاة وتَذْرَعُها إِذا أَسْرَعَتْ فيها كأَنها تَقِيسُها، والتذرع تقدير الشيء بذراع اليد، والذَّرِيعة: الوسيلة. وقد تذَرَّعَ فلان بِذَرِيعةٍ أَي توسَّل، والجمع الذَّرَائِعُ. [2]
فهي إذن الوسيلة أو الطريق الموصل إلى الشيء المقصود.
الذريعة في الاصطلاح:
وفي تعريف الأصوليين: قال الشوكاني (الذريعة هي المسألة التي ظاهرها الاباحة ويتوصل بها الى فعل المحظور) [3] أي ما يتخذ من الوسائل ظاهرها الإباحة لبلوغ مقاصد غير شرعية، وهذا هو غالب استعمالها عند الأصوليين والفقهاء. ولا يتحدث في هذا المجال في غالب الأحوال عن الذرائع إلى الحلال والمباح والمشروع. فالذريعة إذن عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع.
مشروعية القول بالذرائع:
سد الذرائع في القرآن:
ففي مجال العقيدة نهى الله عز وجل عن الذرائع التي تفضي إلى الشرك والكفر أو البدعة، من ذلك قوله تعالى (وَلا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْواً بِغَيْرِ عِلْمٍ) (الأنعام: 108) فقد حرم سب الأصنام إذا كان سبها يفضي إلى سب الله عز وجل. وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا) (البقرة: 104) فنهى عن قول (رَاعِنَا) لمّا كان اليهود يقولون هذه الكلمة للرسول صلى الله عليه وسلم ويقصدون بها الرعونة، وأمر بقول: (انْظُرْنَا) بدلاً عن: (رَاعِنَا) سداً للذريعة.
(1) الضروري في السياسة: ص: 144
(2) لسان العرب: ج8 ص: 94 - 96
(3) إرشاد الفحول: ج: 1 ص: 411