وقوله صلى الله عليه وسلم: (من قتل نفسه بحديده فحديدته في يده يجأ بها بطنه في نار جهنم خالدًا فيها) [1] إلى غير ذلك. [2]
ثم قالوا: وليس ذلك بأولى مما أوردناه، فيجب إطراحها جميعًا أو حمل أحدهما على الآخر، فنحمله على ما يقتضيه كتاب الله وسنة رسوله، ونقول المراد به شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي إذا تابوا؛ لأن ما استحق التائب من الثواب قد أنحبط بارتكابه الكبيرة. [3]
وهكذا أبطلوا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر من أمته، اعتقادًا منهم أنه إذا وعد عبيده فلا يجوز عليه أن يخلف وعده ووعيده، فمن أطاعه دخل الجنة، ومن عصاه دخل النار، فالإيمان عندهم كما تقدم كل لا يتجزأ ولا يتبعض أي لا يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية وإنما إذا ذهب بعضه ذهب كله؛ ولهذا وغيره خالفوا أهل السنة والجماعة الذين اتفقوا على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفرًا يخرج عن الملة بالكلية كما قالت الخوارج كما أنهم اتفقوا على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام ولا يدخل في الكفر، ولا يستحق الخلود في النار مع الكافرين كما قالت المعتزلة [4] ، لعلمهم أن المعاصي كلها من شعب الكفر، كما أن الطاعات كلها من شعب الإيمان [5] ، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيميه رحمه الله: (ليس كل من قام به شعبة من شعب الكفر يصير كافرًا الكفر المطلق حتى تقوم به حقيقة الكفر، كما أنه
(1) أخرجه البخاري في صحيحه - كتاب الجنائز - باب ما جاء في قاتل النفس - مسلم في كتاب الإيمان - باب غلط تحريم قتل الإنسان نفسه - الدارمي في كتاب الديات - باب التشديد على من قتل نفسه.
(2) انظر: شرح الأصول الخمسة، ص 673، 691. وانظر: الحق الدامع، ص 225.
(3) انظر: شرح الأصول الخمسة، القاضي عبدالجبار ص 691. وانظر: الحق الدامع، ص 225.
(4) انظر: شرح العقيدة الطحاوية 2/ 422.
(5) انظر: الصلاة وحكم تاركها- ابن قيم الجوزية، ص 53، بيروت: دار الكتب العلمية، ... 1402هـ.