وأجيب أولا: بأن وصف الأمة بأنها أمية لا يزال قائما اليوم بالنسبة لعلم النجوم ومنازل القمر في الأغلب والكثير منها, كما كان قائما في عهد النبي صلى الله عليه وسلم والقرون الأولى في الأغلب منها بالنسبة لعلم النجوم ومنازل القمر, فقد كان العلم بذلك معروفا عند العرب, لكن العارفون به قلة, كما أن العارفين به اليوم قلة بالنسبة لغيرهم, ومع ذلك لم يعتبره النبي صلى الله عليه وسلم, فيجب أن يكون أمر المسلمين اليوم في هذا الحكم على ما كان عليه في عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه.
وأجيب ثانيا: بأن الرؤية أمر عام؛ لتيسرها لسواد الأمة ومعظمها, فكان تعليق حكم صوم الشهر والإفطار منه بها أيسر للأمة, وأوفق بمقاصد
(الجزء رقم: 3، الصفحة رقم: 15)
الشريعة, فإنها الحنيفية السمحة, بخلاف ما لو علق الحكم بالحساب, والعلماء به قليل بالنسبة لسواد الأمة, فإنه يلزمهم ما لا يخفى من الحرج الذي يتنافى مع مقاصد الشريعة.
واعترض عليها أيضا: بأن لفظ الرؤية وإن كان خاصا حسب ظاهره بما يكون بالبصر فإن معناه عام, إذا القصد العلم أو غلبة الظن بوجود الهلال مفارقا للشمس بعد اجتماعه بها وتأخره عنها بعد الغروب أو بوجوده مع إمكان رؤيته, لا خصوص الرؤية بالبصر, فإن الرؤية اعتبرت لكونها وسيلة للعلم أو غلبة الظن, وهذا لا يمنع من أن تكون هناك وسيلة أخرى في معناها يعرف بها وجود الهلال فقط, أو وجوده مع إمكان رؤيته, فإذا وجدت اعتبرت, وقد تحقق هذا في علم النجوم ومنازل القمر.
ويمكن أن يجاب: بأن الرؤية في الحديث بصرية؛ لتعديها لمفعول واحد, ولأن الصحابة فهموا ذلك, وجرى عليه العمل في عهدهم, ولو كان معنى الرؤية أوسع من لفظها لكان الصحابة أفهم له منا, ولرجعوا عند الحاجة إلى الحساب؛ لوجودهم بين أظهرهم, وإن كانوا قلة.