فهرس الكتاب
نوقش أولا: بأنا نسلم ما تقتضيه الأدلة من وجوب الحكم بما أنزل الله ، وما جاءنا به النبي صلى الله عليه وسلم من الحق ، ولكن لا نسلم أن ما ألزم الحكم به ليس شرعا يجوز العمل به ، إذ هو إلزام بما يسمى شرعا مؤولا ، فهمه الفقهاء مما يسمى شرعا منزلا ، وكلاهما يصح العمل بموجبه والحكم بمقتضاه ، وقد يجاب: بأن مناط الاستدلال إلزام من تولى القضاء أو الإفتاء أن يحكم أو يفتي بخلاف ما يعتقده حقا لا مطلق جواز العمل أو الحكم بما يسمى: شرعا مؤولا ، ولا يلزم من جواز الثاني جواز الأول .
ونوقش ثانيا: بأنا نسلم ما تقتضيه الأدلة في القاضي أو المفتي المجتهد ، أما المقلد فلا رأي له ، بل هو مخير فيمن يتبعه من أئمة الاجتهاد ، فلولي الأمر أن يلزمه بقول من أقوال من في اتباعهم خير؛ رعاية للمصلحة ، وقد يجاب: بأنه وإن كان مخيرا فيمن يتبعه من الفقهاء إلا أنه قد يثق بمجتهد بناء على معرفته بسيرته وأحواله ويعتقد رجحان رأيه ، فلا يجوز إلزامه القضاء أو الإفتاء بغير ما يعتقده .
ونوقش ثالثا: بأن مضرة عدم إلزام القاضي أو المفتي أن يقضي أو يفتي بقول معين قد تكون أشد من مضرة إلزامه بذلك ، فلولي الأمر أن يلزمه بقول معين ، ولو خالف عقيدته في المسائل الاجتهادية؛ رعاية للمصلحة بارتكاب أخف المفسدتين؛ تفاديا لأشدهما ، وقد يقال: إن معرفة ذلك تتوقف على معرفة الآثار المترتبة على كل منهما ، وسيأتي بحث ذلك .
ثانيا: أدلة من قال بجواز الإلزام أو وجوبه:
استدل من قال بجواز إلزام القاضي أو المفتي بمذهب أو قول معين-
(الجزء رقم: 3، الصفحة رقم: 191)
بالدواعي والأسباب الطارئة التي اقتضت ضرورة تدوين أحكام المعاملات وإلزام القضاة والمفتين أن يعملوا بموجبها . . كما استدلوا بآثار عن السلف ووقائع قضوا فيها ، ومن لم يثبت عنه قول في ذلك ولا عمل به سكت ولم ينكر ، فكان سكوته تقريرا ، وصار ذلك إجماعا على مشروعية الإلزام .