فهرس الكتاب

الصفحة 1553 من 3663

وسبقه إليه ، فأبى أبو بكر إلا أن يسوي بينهم في العطاء ، لاختلاف نظرهما في مقتضى العطاء . ومن ذلك ما أشار به الصحابة- وهم كثرة- على أبي بكر بترك قتال المرتدين ومانعي الزكاة ، فأبى إلا أن يقاتلهم ، ومضى فيما عزم عليه ، وكان خيرا للمسلمين من رأي مخالفيه .

ومن ذلك: أن عمر استشار الصحابة في دخول أرض علموا أن بها طاعونا وعدوله عن الدخول فيها ، ثم خالف مشورتهم وعدل عن الدخول فيها ، وهم كثرة ، ثم جاء عبد الرحمن بن عوف وأخبره بما حفظه في ذلك من الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكان فيه تأييد لرأي عمر رضي الله عنه .

وبالجملة: فالأمر كما تقدم من أن الشورى ليست ملزمة ، ولا حرج على الواحد في مخالفة الكثرة والعمل بمقتضى اجتهاده ، بل هذا هو الواجب ، وأصول الشريعة تشهد لصحته .

ولقائل يقول: إن ما ذكر في المناقشة إنما ينطبق على المجتهد؛ لأن له قولا أداه إليه اجتهاده واعتقد صحته ، أما المقلد المحض فلا رأي له وهو لعجزه عن استنباط الأحكام مخير في اتباع إمام من الأئمة المجتهدين ، فمثل هذا قد يقال: بأن إمام المسلمين له أن يلزمه إذا تولى القضاء أن يحكم بمذهب أو قول معين؛ رعاية لما تقدم بيانه من المصلحة ، ولا ضرر في ذلك ؟ لأنه تابع على كل حال ، فليكن تابعا لما أمره به ولي الأمر في الشئون العامة والحقوق المشتركة بين الأمة ، وقد استدل بعض المعاصرين بأن الصحابة قالوا: ( إن الأمر ينزل بنا يا رسول الله وليس فيه كتاب ولا سنة ، فقال: اجمعوا له العالمين ، ولا تقضوا فيه برأي واحد على الإلزام ، ولكن الاستدلال به يتوقف على إثبات كونه عن النبي صلى الله عليه وسلم ، غير أنه لم يصح ، فقد

(الجزء رقم: 3، الصفحة رقم: 199)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت