فهرس الكتاب
ليس فيما ذكر من الصورتين إنشاء العبد لحكم شرعي ، وضعي أو تكليفي ، فإن الذي وقع من العبد في الصورة الأولى مجرد النذر لمندوب ، وهو محل للحكم ، وليس حكما ، والله هو الذي جعل النذر سببا لما بناه عليه سبحانه من الحكم بوجوب الوفاء ، وهو الذي جعل القابلية لذلك في المندوب وليس إلى غير الله إنشاء في هذه الثلاثة .
وأما الصورة الثانية فالذي من العبد التعليق للعتق أو الطلاق مثلا على شيء مما ذكر في هذه الصورة ، والتعليق الذي هو فعل العبد محل للحكم وليس حكما ، ولا إنشاء للحكم ، والله سبحانه الذي عم في المعلق عليه ، فجعله أيا كان قابلا لأن يكون سببا لترتيب الحكم على تحققه ، وعلى ذلك يتبين بطلان ما ذكره من أن الله تعالى جعل لكل مكلف ، ولو عاميا جاهلا إنشاء الأحكام في الشريعة لغير ضرورة ، وبطلان ما رتبه عليه من أن للحكام من باب أولى إنشاء أحكام كلية في الشريعة ، وإنما الذي إليهم فهم الشريعة وتطبيقها على الوقائع والقضايا الجزئية ، كما دلت على ذلك أدلة اختصاص الله بالتشريع.
10 -قال [الأحكام] ص (32) . القرافي في الفرق بين المفتي والحاكم ، وبين الإمام الأعظم في تصرفاته - قال: إن الإمام نسبته إليهما كنسبة الكل لجزئه ، والمركب لبعضه ، فإن للإمام أن يقضي ، وأن يفتي كما تقدم ، وله أن يفعل
(الجزء رقم: 3، الصفحة رقم: 222)
ما ليس بفتيا ولا قضاء ؛ كجمع الجيوش ، وإنشاء الحروب ، وحوز الأموال ، وصرفها في مصارفها ، وتولية الولاة ، وقتل الطغاة ، وهي أمور كثيرة يختص بها لا يشاركه فيها القاضي ولا المفتي ، فكل إمام قاض ومفت ، والقاضي والمفتي لا يصدق عليهما وصف الإمامة الكبرى .
11 -وقال [الأحكام] ص (41) . أيضا: وظهر حينئذ أن القضاء يعتمد الحجاج ، والفتيا تعتمد الأدلة ، وأن تصرف الإمامة الزائد على هذين يعتمد المصلحة الراجحة أو الخالصة في حق الأمة .