فهرس الكتاب
ونوقش ثالثا: بأن عقود التأمين على تقدير تحقق الغرر فيها فليس كل غرر في العقود المالية محرما ، إنما المحرم منها ما كان فاحشا متجاوزا حدود التسامح ، بحيث يعتمد على مجرد الحظ في خسارة واحد وربح آخر دون مقابل مثلا ، فإذا بلغ هذا المبلغ من المخاطرة لم يكن ما دخل فيه من عقود المعاملات مباحا ، ولا أساسا يعتمد عليه في تصرفات اقتصادية ، يؤيد هذا ما بين به النبي صلى الله عليه وسلم نهيه عن الغرر من بيع المضامين والملاقيح وبيع الحصاة والملامسة والمنابذة ، وما أجمع عليه من تحريم بيع السمك في الماء والطير في الهواء ، وما إلى ذلك .
أما إذا كان الغرر يسيرا فلا يدخل في النهي عن بيع الغرر ، إذ قلما تخلو منه تصرفات الناس ومعاملاتهم في تجارتهم وإجاراتهم وصناعاتهم ؟ ولذا أجازه العلماء وتسامحوا فيه ، وإلا لضاقت دائرة الحلول ووقع الناس في
(الجزء رقم: 4، الصفحة رقم: 284)
حرج .
وأجيب: بأن العلماء قسموا الغرر بالنسبة لتأثيره في عقود المعاوضات المالية وعدم تأثيره فيها ثلاثة أقسام: غرر كثير يفسد عقود المعاوضات إجماعا ؛ كبيع الملامسة والمنابذة والحصاة ، وغرر يسير لا يفسدها إجماعا ؛ كبيع الجزر والفجل واللوز والجح دون الوقوف على ما في جوفها بكسر وحفر مثلا ، وغرر متوسط بينهما ؛ كبيع المعين على الوصف دون رؤية ، فهذا متردد بينهما لأخذه بشبه من كل منهما ، ولذا كان مثار خلاف بين العلماء في الحكم بالتسامح فيه ، وفي اعتباره مؤثرا في العقود .
ولا شك أن غرر عقود التأمين من النوع الأول ؛ لأن الخطر ركن من أركانها ، وعنصر من عناصرها ، كما تقدم بيانه في أركان التأمين وعناصره .