ويمكن أن يناقش ما ذكره الجصاص: بتسليم عطف الآية على الأمر باستشهاد شاهدين ، ووجوب تنفيذ الرهن على الصفة المذكورة في الآية وهي القبض ، لكن هذا يقتضي إلزام المدين بإقباضه للدائن وفاء بالشرط وهذا محل النزاع ، ولا يلزم الدائن قبضه بدليل قوله تعالى: سورة البقرة الآية 283 فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ ولأنه حق له شرع للإرفاق به فمن حقه أن يتنازل عنه ، بل من حقه أن يتنازل عن أصل الدين ، لكن إن قبضه صح واستوفى منه وإن لم يقبضه بعد عرضه عليه أو تمكينه منه لم يصح واعتبر متنازلا عن حقه في الإرفاق .
وأما المعنى فمن وجهين: الأول: أن الرهن عقد تبرع فيتم بالتبرع ؛ كالهبة والصدقة والقبض شرط اللزوم ، الثاني: أنه رهن لم يقبض فلا يلزم
(الجزء رقم: 5، الصفحة رقم: 116)
إقباضه كما لو مات الراهن .
ويجاب عن الاستدلال بالمعنى:
أولا: بمنع كون الرهن تبرعا أو كالتبرع فلا يصح قياسه على عقود التبرع من الهبة ونحوها .
وثانيا: بأنه إن كان عدم القبض بالفعل لتفريط من الدائن أو تنازل عن الرهن - بطل ، ولم يلزم الراهن بإقباضه سواء كان الدائن حيا أو ميتا ، وإن كان بغير تفريط من الدائن وإنما كان لمماطلة المدين مثلا - ألزمه بإقباضه إن كان حيا ، وألزم ورثته إن كان ميتا . ثم إن الدليل فيه مصادرة لما فيه من الاستدلال بالدعوى على نفسها .
القول الثاني: أن الرهن يلزم بمجرد العقد ولو لم يقبض المرهون وهو مذهب مالك ورواية عن الإمام أحمد - رحمه الله - في الرهن إذا كان متعينا .
واستدل لهذا القول بالكتاب والسنة والمعنى:
أما الكتاب: فقوله تعالى: سورة البقرة الآية 283 فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ
وجه الدلالة: ما ذكره الباجي بقوله: فلنا من الآية دليلان:
أحدهما: أنه قال عز من قائل: سورة البقرة الآية 283 فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ
فأثبتها رهنا قبل القبض .